خلال العرض الرئيسي لمؤتمر آبل للمطورين WWDC 2019، أثارت معظم عروض آبل تصفيقا حماسيا من قبل الحضور، باستثناء شيئا واحدا! فيبدو أن الجميع وقف متعجبا أمام سعر شاشة Pro Display XDR الجديدة من آبل وخاصة الحامل الخاص بها! بالرغم من روعة هذه الشاشة. فما هي الاستراتيجية التي تستخدمها آبل وتجعل عقولنا تتقبل أسعار منتجاتها مرتفعة الثمن ونقبل على شراؤها؟


في الحقيقة، ليست هذه هي المرة الأولى التي تضطر فيها شركة آبل إلى إقناعنا بقبول مثل هذه الأسعار المرتفعة. فقد استخدمت آبل تقنيات العلوم السلوكية بشكل احترافي للمساعدة في تخفيف صدمة السعر على عقولنا قبل جيوبنا. ويبدو أنها أسست قواعد تلك اللعبة بشكل جيد واستخدامتها مرارا وتكرار في عروضهم التقديمية على مر السنين.

الاستفادة من الرئيس المؤسس

اشتهر ستيف جوبز بمهاراته التقديمية الرائعة، وكانت له قدرة كبيرة في التأثير على الجماهير وإقناعهم بمنتجاته الأسطورية المطلوبة بشدة من وجهة نظره. إلى حد أنه تم اطلاق مصطلح “مجال تشويه الواقع” أو Reality Distortion Field تعبيرا عن قدرة ستيف جوبز في إقناع نفسه والآخرين بالإيمان بأي شيء تقريبا، بخليط من الجاذبية والشجاعة والمبالغة ونوع من التسويق والاسترضاء. وباختصار شديد، هي الرغبة الجامحة لتحقيق شيء معين ،حتى لو كان ذلك شبه مستحيل، قد تؤدي إلى تحقيقه في نهاية المطاف.

قد تقول أن ذلك كان سهلا خلال الفترة الذهبية من فترة رئاسته كرئيس تنفيذي لشركة آبل، قدم منتجات رائعة لدرجة أنها باعت نفسها بنفسها كما يقولون. مثل الآي-فون الأصلي، والآي-باد الأصلي، والآي-بود، كلها كانت منتجات ثورية والكل يطمع في اقتنائها. وكان ما يميز آبل أنها قدمت منتجات أفضل بكثير، ولكنها لم تكن رخيصة.

ربما هذا هو السبب الذي جعل جوبز يولي الكثير من الاهتمام والتفكير في كيفية عرض سعر منتجاته حتى يومنا هذا، حيث يواصل المديرون التنفيذيون لشركة آبل استخدام تلك التقنيات التي طورها جوبز. وهذا ما لاحظناه خلال مؤتمر WWDC 2019 حيث سلك كلا من جون تيرنوس، نائب رئيس شركة آبل للأجهزة، وكولن نوفيلي، من فريق تسويق ماك، نفس طريقة جوبز.


كيف تجعلنا آبل نتوقع الأسعار التي تريدها؟

قبل تقديم أي ميزة من ميزات شاشة آبل برو XDR، ذكرت نوفيلي، رقم 43 ألف دولار وظهر ذلك واضحاً على شاشة العرض. ولكن لم يكن هذا سعر شاشة آبل برو XDR، بل كان سعر شاشة سوني المرجعية “وهي عبارة عن جهاز عرض مرجعي للفيديو وتُسمى أيضًا جهاز العرض المرجعي للبث، هو جهاز عرض متخصص يشبه جهاز التلفزيون، من أحد أهم استخداماتها الشائعة لشاشات الفيديو في محطات واستوديوهات التلفزيون وشاحنات الإنتاج وفي مركبات البث الخارجية، حيث يستخدمها مهندسو البث للتحقق من الإشارات التناظرية والإشارات الرقمية في جميع أنحاء النظام.

ولا تعتبر الشاشات المرجعية من المنتجات التي تنافست عليها آبل من قبل. ومن خلال اطلاعنا على هذا السعر المرتفع، حاولت نوفيلي وتيرونوس توجيه توقعاتنا. فقد كانت الرسالة الواضحة بأن شاشة XDR لن تكون رخيصة.

وبالسعر المعلن 4،999 دولار، تكون الشاشة الجديدة قد تعدت سابقتها بخمسة أضعاف، شاشة آبل LED 27 بوصة.

ومع ذلك، أراد كلا من تيرنوس و نوفيلي أن نفكر في أن شاشة آبل البرو XDR أرخص بعشرة أضعاف من منافسيها.

فقامت آبل باظهار الرقم 43 ألف دولار قبل عدة دقائق من الإعلان عن سعر شاشتها “سبع دقائق تقريبا”، ثم تم عرض نفس الرقم على الشاشة مباشرة قبل الإعلان عن سعر شاشتها مرة أخرى. وهي بذلك خاطبت عقولنا اللاواعية، وذلك باستخدام تقنية معروفة لعلماء النفس السلوكي بأسماء عدة، ربما لصعوبة ترجمة المصطلح” وهو بالانجليزية “Anchoring Effect” فقد ترجمه البعض إلى “تأثير التركيز” أو “وهم التركيز”  أو “تحيز التثبيت” أو “الارتساء” أو التحيز المعرفي”.

بغض النظر عن الدخول في نظريات علم نفس معقدة وعسيرة الهضم، عندما تذكر شركة آبل أن منتجًا مشابهًا يتكلف 43،000 دولار، تصبح عقولنا “ممهدة” لقبول السعر الذي سيتم إعلانه.


كيف استخدم ستيف جوبز تحيز الأسعار

لم تكن هذه أول مرة تستخدم فيها شركة آبل وهم التركيز أو ارتساء الاسعار لتوجيه توقعاتنا بشأن الأسعار. ففي عام 2006، عندما كان الآي-بود في ذروته، أطلقت شركة آبل منتجًا قريب جدًا من قلب ستيف جوبز.

قبل فترة طويلة من مكبرات الصوت التي تعمل بالبلوتوث وظهور سماعات هوم بود الذكية، كانت مكبرات الصوت المحمولة المتوافقة مع الآي-بود منتجات مزدهرة في ذلك الوقت. وأراد جوبز تقديم منتج آبل iPod Hi-Fi بطريقة تجعله المنتج الأول. شاهد الفيديو مؤتمر 2006:

ولكن كانت المشكلة أن سعره البالغ 349 دولارًا، أغلى بكثير من المنتجات المماثلة في السوق. لذلك خلال حدث الإطلاق الرئيسي قال جوبز:

“أن منتجا مشابها من شركة Bose يكلف أكثر من ألف دولار… ونحن نقدم جودة صوت تنافسية مع منتج iPod Hi-Fi الجديد، وسيكون سعره 349 دولارًا فقط”

عندما تستوعب سعر الارتساء بقيمة 1000 دولار، لا يبدو مبلغ 349 دولارًا سيئًا للغاية، إنه فقط ثلث سعر رقم التحيز العقلي الذي ذكره جوبز. على الرغم من أن سعر الارتساء هذا كان لجهاز صوتي عالي الجودة مختلف عما قدمه جوبز، وليس مكبر صوت محمول. وكان جوبز يدعي بأن جودة الصوت متعادلة بناءً على رأيه الشخصي.


تستخدم آبل نفس الاستراتيجية حتى يومنا هذا

وهذا ما فعله فيل شيللر عند اطلاق سماعات هوم بود الذكية. وقال “عادة ما تباع سماعات Wi-Fi من هذه النوعية بين 300 إلى 500 دولار، فقد يكلفك مكبر صوت ذكي 100 دولار إلى 200 دولار. لذلك ليس من غير المعقول أن يتم تسعير جهاز هوم بود في حدود 400 إلى 700 دولار. لذلك نحن متحمسون للغاية لإخبارك أن سعر هوم بود سيكون بسعر 349 دولارًا فقط.”

الإستراتيجية هنا مختلفة قليلاً. إنه يطرح الكثير من الأسعار المختلفة بحيث يبدأ في إرباكك. لكن الرقم بين 400 و 700 دولار هو البارز في عقولنا، عندها يكون سعر آبل مقبول.

الجمع بين تكاليف اثنين من المنتجات المختلفة بهذه الطريقة للوصول إلى أعلى سعر ارتساء هي تقنية ستيف جوبز الكلاسيكية الأخرى. هذا هو بالضبط ما يبرر سعر جهاز الآي-فون الأصلي، وذلك بمقارنته بتكلفة الهاتف الذكي وجهاز الآي-بود مجتمعين.

قبل إطلاق هوم بود، توقع الكثير من الناس أن يكون سعرها مشابهًا لسماعات أمازون Echo أي حوالي 120 دولارًا. ولكن عندما كشف شيلر عن السعر الفعلي، شاهدنا ارتفاع السعر مرة أخرى.


اهتمام آبل بالتفاصيل لا يترك أي شيء للصدفة

من خلال تسليط الضوء على الطريقة التي تحدد بها آبل أسعار منتجاتها، نحن لا ننتقد الأسعار نفسها، على الرغم من أنها قد تكون باهظة الثمن، إلا أننا نعتقد أن منتجات آبل عادةً ما تمثل قيمة كبيرة مقابل المال عندما تتعامل مع جودتها وتجربة المستخدم وطول عمرها وقيمتها في إعادة البيع. نظن أن Pro Display XDR لن يكون استثناءً.

نحن لا ننتقد حتى استخدام التقنيات النفسية في عروض أبل. فلكل واحد الحق في التسويق لنفسه وأن يقدم أفضل حالة ممكنة لمنتجاته.

نجد أنه من المثير للإعجاب أن نرى الاهتمام بالتفاصيل في كل شيء، حتى في الطريقة التي تعرض بها تسعير المنتج خلال العروض الرئيسية في مؤتمراتها. وكيف نمت آبل كثيرًا خلال السنوات القليلة الماضية، وما زالت تواصل استخدام قواعد اللعبة التي ابتكرها ستيف جوبز في الأيام الخوالي.


لماذا حامل شاشة آبل يكلف 999 دولار

عندما تم تقديم الشاشة ومواصفاتها وسعرها صفق الجميع بحماسة، ولكن عندما تم تقديم حامل الشاشة وإعلان سعره 999 دولار صمت الجميع وسمعت الهمهمة في أرجاء المكان تعجبا مما حدث.


طبعاً الأنترنت لم يسكت

ما رأيك في سياسة تسعير آبل لمنتجاتها؟ أخبرنا في التعليقات.

المصدر:

cultofmac

مقالات ذات صلة