كانت ابنتي تقضي ساعات في غرفة المعيشة، لا تشاهد التلفاز كما يفعل معظم أقرانها، ولكن بدلا من ذلك تجدها غارقة في ابداعاتها وابتكاراتها، فمن حولها تجد قصاصات من الورق والخرز والخيوط، تصنع القلادات الجميلة والدمى، هذا غير الرسومات الرائعة لشخصيات كرتونية في دفاترها. وكانت تحب الخياطة، تصنع الفساتين والقبعات والأحذية لدميها. قبل أن أشتري لها قماش لأساعدها على ممارسة هواياتها كانت تستخدم الورق المقوى، حتى إن أخي أعطاها دمية خشبية في عيد مولدها. فقامت بصنع ملابس لها.


لم يكن مسموحًا لها بالتلفاز في أيام المدرسة، لكننا كنا متساهلين في عطلات نهاية الأسبوع. لم تكن تشاهد التلفاز كثيرًا على أي حال. فقد كانت مشغولة جدًا بأشيائها الأخرى. وعندما يأتي الأصدقاء، كانت تعرض لهم أعمالها الفنية ورسوماتها الجميلة.

وفي سن العاشرة، طلبت مني أن اشتري لها آي-بود تاتش، بحكم وجوده مع كثير من أصدقائها. وستتعجب أنها لعدة أشهر كانت تحمل نموذجا لهاتف صنعته بيديها من الورق المقوى وزخرفته كعادتها، وصنعت له شعار “نحلة”، وأطلقت عليه اسم ملكة النحل (Queen Bee).

باستخدام  نظام الآي-بود تاتش، يمكننا التحكم في الوقت والمحتوى، وأمليت عليها قواعد استخدام الجهاز مبكرًا قبل أن تعتاد عليه. مثلا، لا يمكنها استخدامه أكثر من ساعة في اليوم. لا تستخدمه بعد السابعة مساءً، مع عدم وجود الجهاز معها في غرفتها، كذلك، لا تأخذ الجهاز معها في أي نزهات عائلية.

وبعاطفتنا الجياشة تجاه فلذات أكبادنا، فنحن لا نريد أن يحرموا كما حُرمنا ونحن صغارا إما لأن تلك التقنيات لم تكن موجودة في عصرنا، أو لقلة ذات اليد في ذلك الوقت. لكننا لا نريد أن توثر هذه التقنيات بشكل أو بآخر على أطفالنا وإلا أدمنوها وانفلت ذمام الأمر من يدنا، وبالفعل اشتريت لها واحداً في أعياد رأس السنة.

بعد فترة وجيزة من الحصول على الآي-بود تاتش، بدأت تطلب الحصول على هاتف حقيقي. وكانت حجتها القوية، أنها ستنتقل إلى مدرسة جديدة في سبتمبر، وستستقل الحافلة لأول مرة. وأنها لن تستطع الاتصال بي من خلال الآي-بود الذي لا يحتوي على بطاقة SIM. وفي أغسطس وقبل أن تبدأ مدرستها الجديدة، اشتريت لها آي-فون SE.

وبذلك فتحت بابا من الجحيم


كان يجب أن ننتظر حتى تكبر، فالهواتف الذكية ليست مثل أجهزة التلفزيون، وشيئًا فشيئًا، تخلت ابنتنا عن القواعد التي وضعتها لاستخدامه. وجعلت التطبيقات الأمور أسوأ بمرور الوقت.

وفي يوم سبت ممطر. أرادت التحدث مع أصدقائها، لا مشكلة، فأنا لا أرى أي ضرر في استخدام FaceTime. وبالفعل نستثني FaceTime من الحد الأقصى للساعة. بالإضافة إلى ذلك أرادت لعبة Roblox، فكل الأطفال لديهم هذه اللعبة، ويبدو أنها لعبة ليست ضارة إلى حد ما، أقول لنفسي إن هذه اللعبة تساعد على الابداع ويمكنها أن تلعبها مع الأصدقاء.

Roblox
المطور
Roblox Corporation
الحجم204.8 ميجا
الإصدار2.467.418331
التقييم
متاح في متجر البرامج

ثم هناك التيك توك و انستجرام. إن ابنتي لا زالت دون السن القانونية، لكنها تقول إن جميع أصدقائها يمتلكون هذه التطبيقات. في البداية، رفضت، لكنها أرهقتني بإلحاحها المستمر. سمحت لها بالحصول على حسابات خاصة. أقول لنفسي إنها على الأقل تتعلم بعض الأشياء والتقاط الصور. ثم بعد ذلك أرادت تطبيق سناب شات! وما علي إلا أن أنصاع.

بدت مدة الساعة التي منحتها إياها، غير واقعية ولا تكفي على أي حال، كذلك عدم استخدام الهاتف بعد الساعة 7 مساءً لم يعد يجدي نفعا. أصبحت ابنتي تعود إلى المنزل من المدرسة في 6:30 مساءً، ثم تتناول طعامها وتستحم ثم تستعد للنوم. ولذلك هي بحاجة إلى وقت للاسترخاء والترفيه. فقمت بتعديل وقت حظر الهاتف بعد السابعة ومنحناها ساعة أخرى حتى الثامنة مساءً، ولكن سرعان ما فسد هذا التعديل أيضًا.

وبمرور الوقت، أصبحنا نخالف القواعد، ولطالما تشاجرت معها بسبب الهاتف، وفي بعض الأحيان أردت أن أكون لطيفة معها وأن تكون سعيدة، فأتخلى شيئا ما عن القواعد الصارمة من وجهة نظرها.

أجد نفسي أستسلم عندما تطلب أخذ الهاتف أثناء النزهة العائلية. تقول إنها تريد إجراء تيك توك بينما نحن في الغابة بين المناظر الخلابة، وكذلك التقاط الصور لحسابها على انستجرام.

وبدات التصرفات تسوء، فهي لم تعد تتجهز للخروج بسهولة، فهي دائمة النظر في شاشة هاتفها، لا تنظيف أسنان أو ترتيب فراش، وإذا قامت بشيء لابد أن تقطعه بإمساك الهاتف والنظر إليه. حتى انها لم تعد تعرف أين ملابسها أو أحذيتها وباقي أغراضها، إنما مكان الهاتف معروف جيداً، وأصبحت لا تغادر البيت إلا به.

حتى عندما تذهب إلى الحديقة مع الأصدقاء، فإنها تقضي نصف الوقت في استخدام التيك توك. ذات ليلة، تمكنت أخيرًا من التحقق من وقت الشاشة الخاص بها. فزعت عندما وجدت أنها أمضت تسع ساعات على الهاتف في ذلك اليوم.

أحاول أن أبقى مرحة معها، لكن في بعض الأيام أشعر بالغضب الشديد، فأنا أغضب دائما على طريقة استخدامها للهاتف. أقول لها إن الآي-فون جهاز شرير، فهو يسرق طفولتك، ترد عل بأنني على حق تمامًا وتقسم أنها ستقلل من استخدامه، ولكن هيهات.

من حين لآخر، آخذ الهاتف وأخفيه. ولا تجد إلا الصراخ والبكاء، والبحث الدؤوب في كل أنحاء المنزل ويكأنها شخص مدمن حقاً، حتى قالت إنها تكرهني، وأنني أسوأ أم على الإطلاق، ثم تهدأ في النهاية وتتأسف.

أطلب منها دائما أن تصنع شيئا كما في السابق أو تقرأ كتابًا. لكن لا فائدة. فقد أصبحت هذه الأعمال وتلك الابداعات الفنية بمثابة أعمال منزلية، عليها الانتهاء منها سريعا حتى تعود إلى هاتفها. وما أن لبثت حتى تخلت عن هذه الابداعات تماما.

طفلتي التي كانت تقرأ في الحمام لم تعد تلتقط كتابًا ما لم تتعرض للتهديد بسحب هاتفها. أنا أشعر  الآن بالحزن بسبب ما حدث لطفلتي، وكيف ماتت ابداعاتها القديمة واعمالها التي تعرضها على الزائرين بكل تفاصيلها، وبدلا من ذلك تعرض لهم أحدث فيديوهات التيك توك وغير ذلك من التفاهات والترهات.

هذه قصة حقيقية يسردها بندم أهل طفلة كانت مبدعة وذكية ومليئة بالنشاط، لكن كل ذلك تغير بعد أن تملكت آي-فون، أخبرنا في التعليقات من نلوم! هل نلوم أنفسنا، أو المجتمع؟ وشارك المقال حتى يصل لأكبر عدد من الناس ويكون مصدر توعية.

المصدر:

medium

مقالات ذات صلة