reiboot

الليل والنهار، الصيف والشتاء، الأبيض والأسود، البارد والساخن، الهادئ والصاخب، اليابس والماء، وأبل وسامسونج! هناك من يفضل هذا، وهناك من يفضل ذاك؛ لكن لكلٍ منهما طعم مختلف وطبيعة لا تنفي الآخر … ما لم يتدخل الهوس في الشيء ليفسده. لكن هل سبق وتساءلنا لماذا يوجد هذا الهوس بالمنتجات؟!

الهوس

في السطور القادمة، سنرى معاً كيف ولماذا يوجد الهوس بمنتج معين من وجهة نظر العلم!


بضاعة “فيبلين” Veblen Good

في علم الاقتصاد، هناك ما يسمى بـ “بضاعة الفخامة” أو بـ “بضاعة فيبلين” نسبة إلى عالم الاقتصاد ثورستين فيبلين. هذا النوع من البضائع يقع ضمن تصنيف الخدمات والمنتجات التي يتناسب الطلب عليها مع سعرها، أي كلما زاد سعرها، كلما زاد الإقبال عليها، مثل المجوهرات، حقائب اليد النسائية المصممة في بيوت الأزياء الشهيرة، وكذلك السيارات الفاخرة. هذا النوع من البضائع إن انخفض سعره، يقل إقبال الناس على شرائه أو الرغبة لاقتنائه، وذلك لأنها ساعتها لن ينظر إليها كمنتجات حصرية لفئة معينة من الأشخاص أو كمرادف لمكانة حاملها أو مقتنيها.

هناك مثال متطرف لبضاعة الفخامة، حيث تم طرح تطبيق في متجر أبل في 5 أغسطس 2008 تحت اسم “أنا غني” أو “I Am Rich”، وهو لا يفعل شيئاً سوى عرض صورة لجوهرة “ياقوت” حمراء متوهجة على الشاشة مع زر عندما يُضغط عليه تظهر الكلمات التالية:

أنا غني

أنا أستحق هذا

أنا بارع، وبصحة جيدة

وناجح

I Am Rich

حسناً، ماذا كان سعر هذا التطبيق عند طرحه للمرة الأولى؟ 999.99 دولار أمريكي! لا مزاح في هذا! وعلى الرغم من أن أبل قد سحبته بعد مرور يوم واحد فقط من طرحه، فقد اشتراه 8 أشخاص! الخبر المفاجئ هو أن هذا التطبيق تم طرحه مجدداً بسعر مخفض (10 دولارات) وهو موجود الآن على متجر أبل!

والأمر لا يقتصر على أبل فقط، ففي فبراير 2009 تم طرح تطبيق “أنا أغني” أو “I Am Richer” في متجر جوجل لنظام أندرويد بسعر 200 دولار وهو أقصى حد تتيحه جوجل لسعر تطبيق وهو موجود إلى الآن. كذلك تم طرح تطبيق شبيه على متجر تطبيقات موبايل ويندوز في ديسمبر 2010 وبسعر 499.99 دولار أمريكي وهو أقصى حد تتيحه مايكروسوفت لسعر تطبيق. والجدير بالذكر أن التطبيقات الثلاثة تتشارك جميعها في صفة واحدة: جميعها لا فائدة منها!

بعض الأشخاص يفضلون شراء هذا المنتج أو ذاك لأنه فقط مرتفع السعر وليس من أجل مزاياه


بضاعة “التفاخر” Snob Good

يشير هذا المصطلح إلى تفضيلات الناس لشراء ما يجعلهم مختلفين عن بقية الأشخاص والأذواق، مهما ارتفع ثمنه وحتى ولو لم يكن ذي قيمة حقيقية أو يقدم فائدة تذكر. في هذه الحالة، يزيد إقبال الأفراد ذوي الدخل المرتفع على المنتجات التي يعزف عنها ذوي الدخل المنخفض، أي أنهم يشترون ما لا يستطيع غيرهم شرائه رغبة منهم في التميز والتباهي، ومن هنا جاءت تسمية هذا النوع من المنتجات.

Snob Effect

مثل هذه المنتجات تكون ذي قيمة اقتصادية مرتفعة، لكن بلا فائدة عملية حقيقية، وكلما قل المطروح منها، كلما زاد وارتفع ثمنها! أمثلة هذه المنتجات هي القطع الفنية، السيارات الرياضية، ملابس المصممين الغريبة.

مثالنا هنا، هو أن تشتري هاتفاً أو لوح ذكياً، بمجرد الإعلان عنه بغرض أن تتباهى به فقط، مع أنك لا تفعل به شيء حقيقي أو مختلف عن الإصدار السابق الذي تمتلكه أو عن الجهاز الأرخص والأكثر توفراً الذي تقدمه شركة منافسة! فكما قد يشتري أحدهم سيارة رياضية (فيراري) للذهاب بها إلى عمله، فهناك من يشتري آيفون أو سامسونج أو سوني آخر إصدار وقد تكون نسخة مستوردة وبسعر مضاعف ومبالغ به كي يتباهى بامتلاكه للجهاز قبل توفره في الأسواق بأسابيع!

هناك من يشتري المنتج بهدف التفاخر، وذلك لأنه ليس كل شخص قادر على شراءه؛ مما يمنحه التفوق


تأثير “عربة الموسيقى” Bandwagon effect

يصف تأثير “عربة الموسيقى” ميل وتفضيل الأشخاص لسلعة أو خدمة معينة نظراً لإقبال الآخرين عليها. قد يبدو للوهلة الأولى أن تلك النظرية تتعارض مع نظرية العرض والطلب، والتي تفترض بأن المستهلك يتخذ قرارات الشراء لديه بناء على سعر المنتج أو الخدمة وعلى تفضيلاته الشخصية فحسب، لكنها في الواقع تكملها.

ما دخل “عربة الموسيقى” في الموضوع؟ تاريخياً، هناك تعبير غربي يسمى “القفز إلى عربة الموسيقى”، حيث ظهر لأول مرة عندما قرر أحد ملاك السيرك المتنقل استخدام عربة متحركة بفرقة عزف موسيقى لجذب الناس إلى السيرك، وقام بعدها أحد السياسيين باقتباس الفكرة وقام باستخدام عربة مشابهة للدعاية لنفسه ولحزبه في عام 1848، والنتيجة هي أن أصبح الناس يتسابقون للفوز بمقعد في عربته بينما تتحرك كي ينسبون لأنفسهم جزء من نجاح هذا السياسي. بعدها أصبح هذا المصطلح يدل على تسابق الناس للارتباط بشيء ما قد يمنحهم النجاح أو الشهرة لكن دون معرفة أي شيء عن طبيعة ذلك الشيء حقاً.

Bandwagon Effect

سأذكر هنا مثالاً مذهلاً حول التأثير الكاسح للآخرين على اختياراتنا، وأعتذر مقدماً لأنه سيمس شركة سامسونج، لكن ما باليد حيلة! ففي القضية المثارة من أبل ضد سامسونج، والتي انتهت بفوز أبل بتعويض ضخم مستحق، دفعت أبل بأن التشابه الكبير بين لوحي جالاكسي تاب 10.1 وآيباد المقدم من أبل قد تسبب في ارتباك المستهلكين؛ حيث قام الكثير من المستهلكين بإرجاع أجهزة تابلت جلاكسي تاب 10.1 وذلك لأنهم كانوا يعتقدون أنهم يشترون جهاز آيباد! الأمر الأكثر مدعاة للدهشة هو أنه عندما قامت سامسونج بإجراء استقصاء للرأي حول هذا الأمر، تبين أن السبب الرئيسي الذي دفع مشتري جهاز جالاكسي تاب 10.1 إلى إرجاع مشترياتهم إلى متاجر بست باي “BestBuy” الإلكترونية هو أن الأجهزة لم تكن تعمل! فوفقاً للدراسة التي أشرفت سامسونج عليها بنفسها، قال 25% من المشترون بأنهم أرجعوا جالاكسي تاب 10.1 لتوقف المتصفح عن العمل، أو لحساسية الشاشة المتدنية للمس، أو لضعف الاتصال من خلال شبكة واي فاي، بينما قال 17% أسباباً كمشاكل في مزامنة الجهاز، أو قصر زمن البطارية. وبغض النظر عما دفعهم لإرجاع مشترياتهم، فسيبقى السبب الجذري هو جهلهم بطبيعة ووظيفة ما يقومون بشرائه، حيث تسابقوا لركوب “عربة الموسيقى” ليكتشفوا أنها لا تقدم ما يرغبون في سماعه!

البعض يفضل شراء منتج ما لأنه يرى الجميع يشتريه، إذا هذا المنتج مميز فلابد أن يشتريه


رمز الحالة Status Symbol

رمز الحالة هو علامة أو إشارة مادية، مرئية وخارجية عن منصب ومكانة الشخص الاجتماعية وينظر له كمؤشر على حالته الاقتصادية أو الاجتماعية. لهذا، تخدم الكثير من المنتجات الفاخرة كشعارات حالة، مثل المجوهرات، السيارات الفاخرة، أو حتى النياشين وشعارات الأندية التي تعلق على الصدر.

Luxury Brands

وكما يحب الكثيرون أن يشربوا قهوتهم المفضلة من (ستاربكس) ويحرصون على أن يصطحبوا معهم كوب القهوة الورقي المدموغ بشعار المحل الشهير، فهناك من يفضل شراء هاتف من أبل مثلاً لمجرد أن يمنحه شعار الشركة (التفاحة) بعضاً من الرونق والمكانة. ولنفس السبب، هناك من يفضل منتجات أبل لأنها مصنوعة من مواد فاخرة أو ثمينة، مثل الألومنيوم وزجاج الياقوت ليتماشى مع بقية المجموعة التي يمتلكها من حقائب يد أو ساعات أو حتى ملابس ثمينة.

يرى البعض أن امتلاك منتج معين من علامة تجارية شهيرة دليلاً على أنك من طبقة اجتماعية مرتفعة


الهوس Geekiness

وأخيراً قد يشتري المرء جهازاً ذكياً من أبل أو سامسونج أو غيرها من الشركات لأنه جيك Geek أو مهووس بمجال معين مثل الألعاب أو التواصل على الشبكات أو بالتكنولوجيا الحديثة عامة، ولهذا فهو لا يستطيع العيش دون جهاز “ذكي” صغير يوفر له تعاطي ما يحب في أي وقت.


كلمة أخيرة

قد يفسر هذا سبب الهوس بالأجهزة الذكية عامةً، لكن لماذا يوجد لدينا مهاويس تقنية لأبل وسامسونج ويندر أن نجد مثيلهم لدى سوني أو جوجل مثلاً؟ هنا يأتي دور كافة ما أسلفناه منذ بداية المقال، فالنفس البشرية ليست بهذه البساطة، وستجد لدى كل مهووس تفضيلات شخصية لما يرغب في اقتنائه لإرضاء هوسه هذا!

حسناً، هل وجدت سبب هوسك بعلامة تجارية معينة؟ هل ترى بعض تلك الأسباب مبالغاً بها؟ وهل تشكل الدافع الأكبر لدى الشريحة العظمى في وطننا العربي؟ أم أن هناك ما لم يقال بعد؟ شاركنا بكلماتك!

مقالات ذات صلة