يبدو أن ثورة الذكاء الاصطناعي التي نعيشها اليوم ليست مجرد برمجيات ذكية، بل هي وحش نهم يلتهم الموارد المادية قبل كل شيء. فإذا كنت تخطط لشراء آي-فون جديد أو جهاز ماك في السنوات القادمة، فربما عليك الاستعداد لبعض التقلبات في الأسعار، أو على الأقل فهم لماذا قد تتأخر بعض الميزات. تشير التقارير الأخيرة إلى أن أزمة نقص شرائح الذاكرة العالمية لن تذهب بعيداً قريباً، بل قد تلازمنا حتى عام 2027، والسبب ببساطة هو أن كبار المصنعين يفضلون إطعام خوادم الذكاء الاصطناعي بدلاً من أجهزتنا الشخصية.

خوادم الذكاء الاصطناعي تلتهم نصيب الأسد
الشركات العملاقة مثل سامسونج وسكاى هاينكس (SK Hynix) وميكرون (Micron) لم تعد تركز على الذواكر التقليدية التي نجدها في الهواتف والحواسيب المحمولة. وبدلاً من ذلك، وجهت هذه الشركات ثقلها نحو إنتاج ذواكر النطاق الترددي العالي (HBM) المخصصة لخوادم الذكاء الاصطناعي، حيث الربح الوفير والطلب الذي لا ينتهي. هذا التحول الاستراتيجي أدى بشكل مباشر إلى تقليل توفر المكونات القياسية التي تعتمد عليها الأجهزة الاستهلاكية.

وتشير بيانات Nikkei إلى أن الزيادات المخطط لها في الإنتاج من قبل كبار صانعي الرقائق لن تغطي سوى حوالي 60% من احتياجات السوق العالمية. ولكي تنتهي هذه الأزمة، يحتاج القطاع إلى توسيع قدرته الإنتاجية بنسبة 12% سنوياً، بينما الخطط الحالية تقف عند 7.5% فقط. وهذا يعني أننا لن نرى توازناً حقيقياً بين العرض والطلب قبل عام 2028 على أقرب تقدير، ناهيك عن التوترات الجيوسياسية التي تزيد من تكاليف الطاقة والمواد الخام.
التكلفة ستطال جيبك مباشرة
إذا كنت تعتقد أن هذه الأمور تقنية بحتة ولا تهمك، ففكر مرة أخرى. تمثل الذاكرة عادة حوالي 20% من تكلفة تصنيع الهواتف الذكية الموجهة للفئة المتوسطة، ولكن التوقعات تشير إلى أن هذه النسبة قد تقفز لتصل إلى 40% بحلول منتصف عام 2026. هذا الضغط الهائل على التكاليف دفع مؤسسة IDC للتنبؤ بانخفاض مبيعات الهواتف الذكية العالمية بنسبة 13% هذا العام، حيث ستجد الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبة بالغة في الحفاظ على أرباحها دون رفع الأسعار بشكل جنوني.

سوق الحاسوب المحمول ليس بأفضل حال، حيث توجد تحذيرات من أن أسعار اللابتوبات قد تقفز بنسبة تصل إلى 40% لتعويض الارتفاع في تكاليف المكونات. تخيل أن تدفع مبلغاً إضافياً كبيراً فقط لأن خوادم شركة ما في مكان ما تحتاج لمزيد من الذاكرة لتدريب نموذج ذكاء اصطناعي جديد!
كيف تتلاعب آبل بهذه الأزمة؟
هنا يأتي دور “قوة آبل الخارقة”. آبل التي تفوقت مؤخراً على سامسونج لتصبح أكبر صانع للهواتف الذكية في العالم، تمتلك قدرة شرائية مرعبة تجعلها في موقف قوي للتفاوض. المحللون يشيرون إلى أن آبل مستعدة للتضحية بجزء من هوامش أرباحها للحفاظ على استقرار أسعار تشكيلة آي-فون 18 القادمة، وهو ما يعد خبراً جيداً لعشاق التفاحة.

ولم تكتفِ آبل بذلك، بل أظهرت ذكاءً في التعامل مع أجهزة الماك أيضاً. فقد أطلقت جهاز MacBook Neo بسعر 599 دولاراً مستخدمةً معالجات من فئة A المعاد تدويرها (Repurposed) لتحقيق سعر تنافسي في ظل سوق المكونات المشتعل. هذه الاستراتيجية تسمح لآبل بالبقاء في الصدارة حتى في أصعب الظروف الاقتصادية.
المستقبل يحتاج لسنوات من البناء
بناء مصانع جديدة للرقائق ليس بالأمر السهل أو السريع. سامسونج تبني مصنعاً ضخماً في كوريا الجنوبية، لكنه لن يبدأ الإنتاج الفعلي حتى عام 2026، ولن يصل لكامل طاقته قبل 2027. وبالمثل، تقوم ميكرون ببناء مصانع في الولايات المتحدة واليابان وتايوان، لكن معظم هذا الإنتاج لن يصل إلى الأسواق قبل النصف الثاني من عام 2027.

وحتى بعد افتتاح هذه المصانع، ستحتاج الشركات وقتاً طويلاً لتحسين جودة الإنتاج والوصول للكفاءة القصوى. حذر المسؤولون التنفيذيون في الصناعة من أن القيود المفروضة على الذاكرة المخصصة للذكاء الاصطناعي قد تستمر حتى نهاية العقد الحالي، حيث يستمر الطلب في التفوق على العرض بمراحل.
المصدر:



2 تعليق