إذا تأملت تاريخ صناعة الهواتف المحمولة، فستجد أن مسيرة شركة موتورولا تشبه قطار الملاهي السريع المليء بالمنعطفات الحادة؛ فبينما يظن البعض أن الهواتف الذكية بدأت قبل عقد ونصف فقط، يعود الفضل الحقيقي لموتورولا في إطلاق أول مكالمة من هاتف محمول محمول باليد في التاريخ عام 1973 بواسطة مهندسها مارتن كوبر، لتقدم بعد عقد من الزمان هاتفها الأسطوري DynaTAC 8000X كأول هاتف تجاري عرفه البشر. ومنذ تلك اللحظة، هيمنت الشركة على الصناعة وقادت ثورة تصغير الأجهزة وابتكار تصاميم أيقونية غيرت مجرى التقنية.

من قمة المجد إلى فخ التكرار: كيف بدأ التراجع؟
في تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة، قدمت موتورولا أجهزة أيقونية رسخت في الوجدان، مثل هاتف StarTAC عام 1996 وهاتف RAZR V3 الفاتن بنحافته وتصميمه الصدفي عام 2004. وبحلول عام 2006، كانت موتورولا تتربع على عرش الصناعة بحصة سوقية عالمية بلغت نحو 21%، محتلة المركز الثاني عالمياً خلف نوكيا. وكان الفضل الأكبر في هذه الهيمنة يعود لسلسلة RAZR التي اكتسحت الأسواق وحققت أرقام مبيعات مذهلة جعلت الشركة تبدو وكأنها لا تُقهر.

لكن النجاح الباهر كان يخفي وراءه فخاً خطيراً؛ فبدلاً من الاستثمار في ابتكار أجيال جديدة كلياً وقراءة التحولات القادمة، استسلمت موتورولا لراحة النموذج الناجح وأخذت تعيد تدوير الفكرة ذاتها عبر إصدارات مشتقة مثل PEBL وSLVR وKRZR. وفي تلك الأثناء، كان المنافسون يسرعون الخطى نحو شبكات الجيل الثالث 3G وتطوير فئة الهواتف الذكية الصاعدة مثل أجهزة بلاك بيري، بينما كانت موتورولا عاجزة عن تقديم بديل حقيقي يعيد إشعال شغف الجماهير بنفس بريق RAZR الأصلي.
زلزال الآي-فون والتخبط الكبير
في عام 2007، أطلقت آبل جهاز الآي-فون الأول، وعلى الرغم من أن آبل لم تخترع فكرة الهاتف الذكي بحد ذاتها، إلا أن الآي-فون أعاد تعريف كل شيء من الصفر؛ شاشة لمسية تفاعلية واسعة، وواجهة استخدام ثورية وسلسة، وبيئة برمجية مهيأة لآلاف التطبيقات. حاولت موتورولا قبل ذلك الدخول للسوق عبر هاتف MOTO Q المزود بلوحة مفاتيح كاملة على طريقة بلاك بيري، لكنه لم يصمد أمام التحول الجذري في ذوق المستهلكين ومتطلباتهم التي قفزت نحو الشاشات اللمسية الحديثة.

كانت النتائج كارثية على موتورولا؛ حيث انهارت شحنات هواتفها ودخل قطاع المحمول في دوامة خسائر مالية فادحة. وانحدرت حصتها السوقية العالمية من 21.1% في ذروتها عام 2006 إلى 8.7% فقط في 2008، ثم واصلت السقوط الحر لتسجل 4.8% في عام 2009. وبينما كانت آبل تواصل إبهار العالم وصولاً إلى آي-فون 4 وسامسونج تؤسس إمبراطوريتها بسلسلة Galaxy S، وجدت موتورولا نفسها خارج دائرة المنافسة، مما استدعى تعيين سانجاي جها في عام 2008 لإعادة هيكلة القطاع بالكامل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
طريق التعافي: رهان أندرويد والعودة من جديد

اتخذت إدارة قطاع المحمول قراراً حاسماً تمثل في خفض التكاليف وتبسيط تشكيلة الهواتف المعقدة، والأهم من ذلك تبني نظام أندرويد بالكامل في عام 2009. أطلقت الشركة هاتف CLIQ ثم أتبعته بالهاتف الشهير Motorola Droid (المعروف عالمياً باسم Milestone)، والذي حظي بإشادة نقدية واسعة واعتبرته المراجعات التقنية أفضل هاتف أندرويد في وقته، مما ساعد موتورولا على شحن نحو مليوني هاتف أندرويد في الربع الأخير من 2009 وتحقيق أول أرباح فصلية لها منذ أكثر من 3 سنوات بحلول خريف 2010 بشحنات إجمالية تجاوزت 13.7 مليون هاتف ذكي في ذلك العام.

تتابعت التحولات الدرامية بعد ذلك، حيث تم فصل قطاع الهواتف في شركة مستقلة باسم Motorola Mobility عام 2011، قبل أن تستحوذ عليها جوجل في 2012 للاستفادة من براءات اختراعها، ثم انتقلت ملكيتها إلى شركة لينوفو في عام 2014. وتحت راية لينوفو، استعادت العلامة ربحيتها العالمية بحلول العام المالي 2018/2019، وأعادت إحياء الاسم الأسطوري RAZR ولكن هذه المرة كهاتف ذكي قابل للطي في عام 2020، لتسجل الشركة إيرادات قياسية في العام المالي 2024/2025 تثبت من خلالها أن العملاق الكلاسيكي ما زال يمتلك الكثير ليقدمه لعشاق التقنية.
المصدر:



2 تعليق