بمجرد فتح باب الطلب المسبق لهاتف آي-فون ديو القابل للطي للدفعات القادمة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ ففي غضون دقيقة واحدة فقط، بدأت مواعيد التسليم المجدولة تتراجع وتنزلق بحدة غير مسبوقة. والمفاجأة الأكبر كانت أن بعض المستخدمين الذين أتموا طلباتهم خلال الدقائق الخمس الأولى وجدوا أنفسهم أمام تواريخ تسليم تمتد حتى شهر يناير من العام الجديد! بطبيعة الحال، أن تدفع ثمناً باهظاً في شهر أكتوبر لجهاز ثوري ثم يُطلب منك الانتظار لأكثر من شهرين ونصف هو أمر يثير الحنق إلى أقصى حد. وفي حين سارعت بعض التحليلات إلى وصف إطلاق الجهاز بمثل هذا المخزون المحدود بأنه خطأ استراتيجي فادح، إلا أن التدقيق في تفاصيل المشهد يكشف وجهاً آخر تماماً؛ فهذه الأزمة، رغم مرارتها للمستخدم، تعد نعمة ونقمة في آن واحد لشركة آبل.

معادلة العرض والطلب: معضلة حتمية أمام آبل

اعتادت آبل دائماً بناء مخزون ضخم قبل إطلاق أي جهاز جديد، لكن الأمر يختلف جذرياً عندما تدخل الشركة فئة منتجات جديدة كلياً مثل أول آي-فون قابل للطي. في مثل هذه الحالات، يصبح التنبؤ الدقيق بحجم الطلب الفعلي مهمة شبه مستحيلة لفرق اللوجستيات وسلاسل الإمداد. في الواقع، وضعت آبل نفسها في موقف يصعب الخروج منه رابحة بالكامل؛ فإذا تجاوز العرض حجم الطلب وظل الهاتف متاحاً للتسليم الفوري من اليوم الأول، لخرجت عناوين الصحف والتحليلات فوراً تدعي أن الجهاز مُني بفشل ذريع وإقبال متواضع. أما إذا حدث العكس وتجاوز الطلب حجم المعروض كما نرى اليوم، فإنها تغامر بإثارة غضب جمهورها الأكثر ولاءً، وهم أولئك الذين يندفعون لتبني أحدث تقنياتها فور الإعلان عنها.
لكن ما هو السبب الحقيقي وراء هذا العجز؟ الحقيقة المطلقة لا يعلمها سوى مهندسو كوبرتينو، غير أن الواقع يشير إلى معادلة مزدوجة تجمع بين طلب استثنائي وتعقيد تصنيعي خانق. الطلب المرتفع لم يأتِ من فراغ؛ فعلى الرغم من أن الهواتف القابلة للطي لا تزال تشغل مساحة محدودة نسبياً في السوق العالمي، إلا أن آبل أظهرت براعتها المعهودة عندما استهدفت حل أكبر معضلتين في تاريخ هذه الفئة: أثر الطي الظاهر في منتصف الشاشة وضعف المتانة العامة. قدمت آبل تصميماً متقناً بدون تجاعيد ملحوظة، ودعمته بمفصلة صلبة وميزات برمجية صممت خصيصاً لاستغلال أبعاد الشاشة المتغيرة، مع عرض ترويجي أثار شهية التقنيين وأعاد مستويات الشغف والترقب التي لم نشهدها منذ سنوات طويلة.
نعمة مقنعة أم خطأ تسويقي؟

في عالم التحليل التقني اليوم، يسهل الوقوع في فخ النظرة الأحادية؛ فإما أن الإطلاق ناجح بامتياز أو فاشل تماماً، متناسين أن الحقيقتين يمكن أن تتعايشا معاً جنباً إلى جنب. نعم، من المحبط والمزعج تماماً أن تطلب جهازاً في دقائق الصباح الأولى لتجد نفسك تنتظر حتى العام الجديد لتجربته، وهذا بالتأكيد يضع الشركة تحت ضغط تبرير موقفها أمام عملائها المتحمسين.
لكن في المقابل، هذا النفاد اللحظي للمخزون وانزلاق المواعيد لعدة أشهر يخدم السردية التسويقية لآبل بشكل لا يقدر بثمن؛ فهو يرسخ لدى الجمهور انطباعاً بأن آي-فون ديو ظاهرة تقنية كاسحة ومطلوبة بصورة تفوق كل التوقعات، مما يضفي عليه هالة من الندرة ويزيد من جاذبيته. لو كانت آبل تملك عصا سحرية للتنبؤ، لفضلت تأخيراً مدروساً يستمر لبضعة أسابيع دون أن يثير سخط الجمهور، لكن الوصول إلى هذه الحالة غير المثالية يبقى أفضل تسويقياً من ترك الرفوف ممتلئة بأجهزة تنتظر من يشتريها.
بصيص أمل لأصحاب الطلبات المؤجلة

إذا كنت ممن حُكم عليهم بالانتظار حتى شهر يناير، فالوضع قد لا يكون بالسوء الذي يبدو عليه على الشاشة. تتبع آبل عادة وضع أسوأ السيناريوهات الزمنية في تقديرات التسليم الأولية لتفادي إحباط العملاء، وكثيراً ما تبدأ هذه التواريخ بالتقدم تدريجياً مع استقرار وتيرة التجميع وارتفاع معدلات إنتاج المصانع.
من جهة أخرى، تشير مصادر متاجر التجزئة إلى أن بعض فروع متجر آبل قد تشهد توفر شحنات مفاجئة للشراء المباشر دون حجز مسبق عبر الإنترنت، وذلك لاختلاف التقديرات المخصصة للمبيعات الواقعية مقارنة بالمتاجر الإلكترونية، لذا قد تكون زيارة سريعة للمتجر في الأيام الأولى لإطلاق الجهاز خياراً مجدياً قد يختصر عليك شهوراً من الترقب. بالإضافة إلى ذلك، يرى بعض المستخدمين أن هذا الانتظار الطويل يمنحهم ميزة مراقبة المراجعات المستقلة بعد نزول الجهاز بأيدي المستخدمين الأوائل، ليقرروا بهدوء إما إبقاء الطلب أو إلغائه وتوفير أموالهم.
المصدر:



5 تعليق