في عالم التكنولوجيا السريع، لا مكان للمترددين، ويبدو أن شركة آبل قد أدركت هذه الحقيقة الصعبة بطريقة مثيرة للجدل. ففي أوائل عام 2025، وتحت غطاء من السرية التامة، عقد المسؤولون التنفيذيون في آبل اجتماعاً طارئاً لمواجهة أزمة داخلية متفاقمة تتعلق باستراتيجية الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي. هذا الاجتماع لم يكن مجرد نقاش روتيني، بل كان اعترافاً صريحاً بأن الميزات الأولى لنظام Apple Intelligence لم تحظَ بالقبول المتوقع، وأن المساعد الصوتي سيري يواجه تأخيرات حاسمة تهدد مكانة الشركة أمام منافسيها الشرسين.

تفاصيل الاجتماع السري وصدمة الذكاء الاصطناعي

الاجتماع الذي دعا إليه جيف ويليامز، المدير التشغيلي السابق لشركة آبل، سلط الضوء على مخاوف عميقة بشأن العقبات الهيكلية التي تعيق جهود آبل في مجال الذكاء الاصطناعي. لم يكن الأمر مجرد مسألة برمجيات، بل كان يتعلق بآلية العمل بأكملها. فالرئيس التنفيذي تيم كوك كان قد فقد ثقته بالفعل في رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي جون جياناندريا، وهو ما أدى في النهاية إلى مغادرة الأخير للشركة بشكل رسمي.
وفي وسط هذا التوتر، ظهر مايك روكويل، العقل المدبر وراء نظارة Vision Pro الثورية، ليعرض تولي المسؤولية وإصلاح المساعد الرقمي المتعثر سيري. كان هذا العرض بمثابة طوق نجاة في وقت كانت فيه آبل تبحث عن حلول جذرية وسريعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
صراع النفوذ وإرث التحذيرات القديمة
بحسب ما كشفه الصحفي الشهير مارك غورمان، فإن هذه الأزمة ليست وليدة اليوم. فقبل نحو عقد من الزمان، حذر رئيس الأجهزة السابق دان ريتشيو زملائه من أن الذكاء الاصطناعي قد يمثل تهديداً وجودياً لأجهزة آبل. وبناءً على ذلك، كلف روكويل بوضع خارطة طريق لإعادة بناء المساعد سيري بالكامل.
لكن الطريق لم يكن معبداً بالورود؛ إذ كان روكويل يطمح للحصول على منصب قيادي أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي بحيث يتبع مباشرة لتيم كوك. إلا أن كرايغ فيدريغي، رئيس قطاع البرمجيات، أصر على إبقاء جهود الذكاء الاصطناعي تحت مظلته الهندسية. وفي النهاية، وافق روكويل على قيادة عملية إعادة تشغيل سيري تحت إشراف فيدريغي، تلا ذلك استقطاب عقول لامعة مثل عمار سوبرامانيا، التنفيذي السابق في جوجل ومايكروسوفت، للإشراف على نماذج وأبحاث الذكاء الاصطناعي.

استنفار تيم كوك والتحالف غير المتوقع مع جوجل

أدت هذه الأزمة المستعرة إلى تغيير غير مألوف في أسلوب إدارة تيم كوك. فالرئيس التنفيذي، الذي يُعرف عادةً بأسلوبه غير التدخلي وترك الحرية لمدراء القطاعات، أصبح يتدخل بشكل عميق وشخصي في خارطة طريق الذكاء الاصطناعي الخاصة بآبل. وبدأ يبدي رأيه في الميزات ويحث المديرين التنفيذيين على التعامل مع هذه التكنولوجيا بجدية واستنفار قصوى.

وفي ظل هذا الضغط، نجح الثلاثي مايك روكويل، كرايغ فيدريغي، وإيدي كيو في إبرام اتفاقية تاريخية مع جوجل لاستخدام نماذج Gemini المتطورة وتقنيات جوجل كلاود كجزء من عملية الإصلاح الشاملة للمساعد سيري. وهي خطوة لم تكن لتحدث لولا إدراك آبل لخطورة الموقف وحاجتها للاستعانة بقدرات خارجية لتجاوز هذه الأزمة وضمان بقائها في المنافسة.
ماذا ينتظرنا اليوم في مؤتمر المطورين ونظام iOS 27؟

من المتوقع أن تستعرض آبل ثمار هذه التغييرات الكبيرة في مؤتمر المطورين العالمي القادم. وسيشمل هذا الاستعراض تجربة محدثة ومطورة بالكامل للمساعد الصوتي سيري، إلى جانب إطلاق تطبيق دردشة آلي مستقل كلياً ضمن نظام التشغيل القادم iOS 27.
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، بل تورد التقارير أن آبل تتراجع عن موقفها السابق الحذر تجاه معالجة الصور بالذكاء الاصطناعي التوليدي؛ حيث ستضيف أدوات جديدة تتيح للمستخدمين ملء الفراغات في الصور وتعديل زوايا المنظور بشكل احترافي ومبتكر، لتعيد الشركة تعريف تجربة التصوير وتعديل الصور على أجهزتها الذكية.
تأثير الأزمة على الأجهزة القادمة ومستقبل القيادة
تظل عملية إصلاح سيري ركيزة أساسية لخارطة طريق منتجات آبل المستقبلية. فالأعطال والتحديات البرمجية المرتبطة بنماذج الذكاء الاصطناعي وسيري قد تسببت بالفعل في تأخير إطلاق العديد من الأجهزة المنتظرة، مثل الشاشة الذكية للمنزل التي تم تأجيلها حتى الخريف، وجهاز الروبوت المنزلي، والنظارات الذكية المستقبلية.

ومع استعداد تيم كوك لتسليم منصب الرئيس التنفيذي إلى جون تيرنوس في سبتمبر المقبل، فإن قدرة الشركة على تنفيذ استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي بنجاح ستلعب دوراً محورياً في تحديد موعد طرح هذه الأجهزة في الأسواق العالمية ومدى نجاح الحقبة القيادية الجديدة. إن آبل تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، وستحدد خطواتها القادمة ملامح مستقبلها لعقود قادمة.
المصدر:



3 تعليق