هل سبق أن تحدثت مع شخص عن رحلة ما أو منتج معين، ثم فتحت هاتفك لتجد إعلانًا عنه؟ هذا النوع من المواقف يجعل فكرة أن الهاتف يستمع إلى محادثاتنا تبدو منطقية، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا وربما أكثر إثارة للقلق. فالتطبيقات لا تحتاج بالضرورة إلى التجسس عليك والاستماع لما تقوله حتى تعرف ما قد يلفت انتباهك، لأن الهاتف يترك خلفه عشرات الإشارات أثناء استخدامك له. في هذا المقال، سنكشف ما يحدث خلف شاشة الآي-فون الخاص بك عندما تسمح للتطبيقات بتتبع نشاطك، ولماذا تظهر أمامك إعلانات عن أشياء لم تبحث عنها، والأهم من ذلك، كيف يمكنك إغلاق الأبواب التي تترك بياناتك مكشوفة أمام التطبيقات دون أن تدرك.

رقم خاص لربط نشاطك بهاتفك

كل هاتف أو جهاز تستخدمه يمتلك نوعًا من المعرِّفات التي يمكن لشركات الإعلانات ربطها بملفك الإعلاني. وبذلك يمكن جمع البيانات القادمة من تطبيقات مختلفة وربطها بالجهاز نفسه. ويمكن القول بأن الأمر يختلف بين الأندرويد والآي-فون،. ففي الأندرويد يكون المستخدم مشمولًا بالتتبع الإعلاني افتراضيًا. بينما تعتمد آبل على نظام App Tracking Transparency الذي يطلب من التطبيقات الحصول على إذن قبل الوصول إلى معرف التتبع. وقد ظهر أثر هذا الاختلاف بوضوح عندما كشفت ميتا في 2022 أنها تكبدت خسائر تقدر بنحو 10 مليارات دولار بعد إطلاق آبل ميزة تسمح لمستخدمي الآي-فون برفض تتبع نشاطهم.
ولإيقاف معرف الإعلانات في أندرويد، يمكن الدخول إلى إعدادات جوجل ثم قسم الإعلانات وحذف معرِّف الإعلانات. أما على الآي-فون، فيمكن التوجه إلى الإعدادات > الخصوصية والأمان > التتبع وإيقاف خيار السماح للتطبيقات بطلب التتبع، ثم تعطيل الإعلانات المخصصة من إعدادات إعلانات آبل.
الموقع والكاميرا والمايكروفون

تطلب بعض التطبيقات صلاحيات للوصول إلى مستشعرات الهاتف، مثل الموقع والكاميرا والميكروفون. وقد تكون هذه الصلاحيات ضرورية فعلًا لعمل التطبيق، لكنها لا تعني بالضرورة أن البيانات الناتجة عنها ستبقى داخل الوظيفة التي طلبت من أجلها. على سبيل المثال، تحتاج خرائط جوجل إلى موقعك لتحديد مكانك، لكن الشركة تشير أيضًا إلى استخدام بيانات الموقع لتقديم إعلانات أكثر ملاءمة. وبالمثل، يحتاج إنستجرام إلى الكاميرا لالتقاط الصور، لكنه يستطيع تحليل العناصر والوجوه والنصوص الموجودة فيها لأغراض مختلفة، بما في ذلك الإعلانات الموجهة.
وتزداد المشكلة مع التطبيقات الأقل شهرة. فقد يبدو تطبيق الطقس بحاجة إلى موقعك لتقديم توقعات دقيقة، بينما قد يكون نموذج عمله قائمًا على جمع بيانات الموقع وبيعها لشركات متخصصة في البيانات. ولا يقتصر تحديد الموقع على الـ GPS وحده، إذ يمكن الاستدلال على مكانك من شبكات الواي فاي القريبة وأبراج الاتصالات وحتى أجهزة البلوتوث. وفي 2022، وافقت ميتا على تسوية بقيمة 37.5 مليون دولار في دعوى جماعية بعد تتبعها مواقع أكثر من 70 مليون مستخدم رغم تعطيل صلاحية الموقع. أما بالنسبة للكاميرا والميكروفون، فتقدم أنظمة التشغيل الحديثة مؤشرات واضحة عند استخدامهما. ويظهر في أندرويد مؤشر أخضر عند تشغيل الكاميرا أو الميكروفون، بينما يظهر مؤشر أخضر في آي-فون عند استخدام الكاميرا وبرتقالي عند تشغيل الميكروفون فقط.
الهاتف قد يتعرف عليك من طريقة استخدامه

والآن لننتقل إلى التتبع الاستدلالي وهو أحد أشكال تتبع البيانات الأكثر تعقيدًا ونقصد هنا التتبع الذي لا نراه لدرجة أن البعض يفضلون تصديق أن هواتفهم تتجسس عليهم بدلاً من الاعتراف بطريقة التتبع الحقيقية. هناك أمثلة كثيرة يصعب حصرها لذا لنأخذ مثالا واحدا، هل تعلم أن هاتفك مزود بمقياس تسارع. هذا المستشعر هو الذي يحدد ما إذا كنت تمسكه عموديا أم أفقيا، أو يسمح لك بالتحكم بالسيارات في ألعاب السباق عن طريق إمالة الهاتف ذهابا وإيابا.
لكن لا يوجد مقياس تسارع يعطي قياسات دقيقة بنسبة 100%،وقد أظهرت سنوات من البحث أن هذه الاختلافات الطفيفة يمكن استخدامها لاستنتاج العديد من المعلومات حول الجهاز ومالكه، بما في ذلك البيانات الديموغرافية والسلوك والنشاط، وحتى الحالة المزاجية. في إحدى الدراسات، تم التعرف على طريقة مشي المستخدم بواسطة المستشعرات نفسها، لذا فإن الطريقة الفريدة التي تمشي بها وهاتفك في حقيبتك أو جيبك يتم استخدامها لتتبعك.
هناك أيضًا ما يُعرف بـ بصمة الجهاز، وهي مجموعة من خصائص العتاد (مثل الرامات والمعالج) والبرمجيات (التحديثات وميزات النظام) التي يمكن أن تجعل جهازك مميزًا عن غيره، وتستخدمها مواقع وتطبيقات عديدة في عمليات التتبع. ليس هذا فحسب، حتى طريقة الكتابة قد تحمل معلومات يمكن استغلالها لمراقبة ما تفعله. فسرعة الكتابة، وعدد الأخطاء، والوقت الذي تتردد فيه قبل اختيار كلمة معينة، كلها أنماط يمكن نظريًا استخدامها لفهم سلوكك وربما حالتك النفسية.
هل الإعلانات المخصصة مشكلة فعلًا؟

قد يرى البعض أن الإعلانات الموجهة ليست أمرًا سيئًا، فإذا كان المستخدم سيشاهد إعلانات على أي حال، فلماذا لا تكون مرتبطة باهتماماته؟ لكن المشكلة تبدأ عندما تتجمع البيانات من مصادر مختلفة وتُحلل على نطاق واسع. فالأمر لا يتعلق فقط بعرض منتج قد يعجبك، بل يمكن استخدام المعلومات للتأثير في مشاعرك وسلوكك، خصوصًا إذا كشفت البيانات أنك أكثر استعدادًا للشراء عندما تكون غاضبًا أو حزينًا.
وقد ظهر تأثير البيانات الضخمة على نطاق واسع في قضايا سياسية شهيرة، أبرزها فضيحة كامبريدج أناليتيكا، التي ارتبطت باستخدام بيانات ملايين المستخدمين في محاولة للتأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016. والأخطر أن بياناتك لا تبقى بالضرورة في يد المعلن فقط. فالمعلومات الشخصية مثل الاسم والعنوان والبريد الإلكتروني والموقع قد تكون ذات قيمة للمعلنين، لكنها قد تجذب أيضًا المحتالين والهاكرز.
كيف تقلل التتبع؟

لا توجد طريقة تضمن اختفاءك تمامًا من عالم التتبع، لكن يمكنك تقليل كمية البيانات التي تمنحها للتطبيقات بشكل كبير. ابدأ بمراجعة صلاحيات التطبيقات من وقت لآخر، وقم بإلغاء أي إذن لا تحتاجه. وإذا كان التطبيق يطلب صلاحية ضرورية لعمله، اسأل نفسك أولًا ما إذا كنت تحتاج إليه فعلًا. كما يمكن أيضًا استخدام خدمة VPN، وخدمات DNS تركز على الخصوصية، ومتصفحات أكثر اهتمامًا بحماية خصوصية وبيانات المستخدم، إضافة إلى أدوات حجب الإعلانات.
في النهاية، قد لا يكون الهاتف بحاجة إلى الاستماع إلى كل كلمة تقولها حتى يعرف الكثير عنك. فطريقة استخدامك للجهاز، والمواقع التي تزورها، والصلاحيات التي تمنحها للتطبيقات، كلها تترك خلفها أدلة وبصمات يمكن جمعها وتحليلها. لذلك، فإن حماية خصوصيتك تبدأ من التفاصيل الصغيرة، لذا راجع الصلاحيات، قلّل التتبع، واحذف التطبيقات التي لم تعد تحتاج إليها. حتى تتمكن من حماية خصوصيتك وتقليل فرص جمع بياناتك وتتبع نشاطك ومعرفة ما تفعله على الويب.
هل تمنح التطبيقات كل الصلاحيات التي تطلبها؟ أخبرنا في التعليقات!
المصدر:



2 تعليق