كان على ربوة عالیة والریح تصفق بجلبابه الفضفاض وھو یترنم قائلاً:
اعز مكان في الدنا سرج سابحٍ
وخیر جلیس في الزمان آیبادُ

قاطعته قائلاً:
مھلاً یا أبا الطیب لقد حفظنا عنك ھذا البیت ھكذا
اعز مكان في الدنا سرج سابحٍ
وخیر جلیس في الزمان كتابُ

نظر إليّ شزراً وكأنه ساءه مقاطعتي له وبابتسامة ساخرة تنبئ عن مكنون نفسه بافتخاره بذاته كما ھو معھود عنه
رد علي قائلاً:
ذاك یوم أن كان الكتاب وسیلة القراءة لا غیره، أما الآن فأنت في زمن eBook Readers

ھالني ما سمعت ولكنني ظننتھا من شطحاته فرأیت أن أرد له الصاع بمثله فقلت له:
إن زمانك لا یعدو زمن الجلود والمحابر ذات الریش وأراك تكلمني عن الآیباد والكندل فاربع على نفسك!

تحامل على نفسه وكأنه أراد ھجائي ولكنه تراجع لیقینه إنني أقل شأناً من أن أخلد في شعره ولو بالھجاء
ثم أردف سائلاً:
ھل تعرف یا صاح من أول من بكى على الأطلال ؟

فأجبته منتشیاً:
ذاك امرؤ القیس بقوله
قفا نبك من ذكرى حبیب ومنزل بسقط اللوى بین الدخول فحومل

فقھقه عالیاً حتى ملأني غیظاً وقال:
البیت لیس ھكذا وإنما
قفا نبك من ذكرى آیبودٍ وآیبادِ ودراعة لم یعف رسمھا المعتاد

وأردف قائلاً وكأنه أراد اختصار الزمان وطیه في لحظة بدءاً بأول نائح على الأطلال وحتى یوم مقتله ھو، لیقول لي:
ھل تعرف كیف استطاع فاتك الأسدي قتلي في لیلة عید الأضحى؟

فأجبته ببساطة:
رصدتك العیون وأخبروه عنك!
واستغربت من عدم ضحكه علي ھذه المرة وأدركت انه كان فیھا مقتله ولعله لم یرد استجلاب الذكریات الحزینة

ورد علي:
اللعینة انھا خدمة GPS

سألته:
أتعني تحدید المواقع؟

أجاب:
نعم یومھا نسیت أن أغلقھا فاستطاع اللئیم ان یحدد موقعي وھاجمني بزبانیته.

وحینھا أجھش بالبكاء بطریقة تخبر عما في النفس البشریة من ضعف حتى وإن أشربت الغرور والكبریاء

فقلت له لأعزیه:
یا أبا الطیب إنك وإن مت إلا أن أشعارك وحكمك البلیغة لم تمت ولازالت تتناقلھا الأجیال من جیل الى جیل وسأطلب من فريق آي-فون إسلام وضع برنامج للأيفون وللآیباد یحوي جمیع أشعارك تخلیداً لذكراك

فقاطعني قائلاً:
ومن آي-فون إسلام؟ ھل ھم من بني حمدان أرباب السیف والقلم؟

فرأیت أن من المروءة ألا اقطع علیه مسلسل ذكریاته الجمیلة بإجابة قد تكون غیر موفقة
فأجبته:
نعم ھم منھم إلا أنھم لم یشاركوا في أي حرب من حروبھم

وأنشد من عیون حكمه:
لولا المشقة ساد الناس كلھم
الجود یفقر والإقدام قتال

وبینما نحن كذلك.. إذ بصراخ وعویل فأمتشق سیفه
وصرخ بي قائلاً:
انه الدمستق الویل لأمه.

وإذا بالدمستق یتجه نحوي ویضربني بسیفه على ھامتي لأصحو من نومي على صراخ ابنتي شھد (ام أبیھا) ذات العامین وھي واقفة على رأسي وتدعو بالویل والثبور لأن بطاریة الآیفون قد فرغت قبل إتمام انشودتھا المفضلة، وحمدت الله أن كانت ضربة بآیفون على رأسي لا ضربة بسیف..

تألیف: أبومعاذ العامري (راعي الغنم)
إخراج: أحمد بافقیه