“إذا كنت تهرب مع صديقك من دب هائج، فلا تحتاج أن تكون الأسرع على الإطلاق، بل يكفي أن تسبق صديقك”. هذا التصور طرحه آفي تيفانيان، الرئيس السابق لقسم البرمجيات في آبل من أجل تفسير تراجع وتيرة الابتكار في عهد تيم كوك مقارنة بعصر ستيف جوبز، معتبرًا أن التفوق النسبي على المنافسين يظل كافيًا لضمان بقاء آبل في الصدارة، حتى وإن لم تعد الشركة تقود القفزات الكبرى كما اعتادت. لكن بعد تسع سنوات، لم يعد هذا التشبيه يدافع عن كوك، بل يدينه. حيث أصبح للدب الآن اسم وهو الذكاء الاصطناعي الذي بات يحدد ملامح عصر الحوسبة القادم. خلال السطور التالية، سنلقي نظرة سريعة على رحلة تيم كوك، ماذا حقق؟ وأين تعثّر؟ وهل نجح فعلًا في الحفاظ على مكانة الشركة أم اكتفى بإدارتها؟ ثم ننتقل إلى التساؤل الأهم، ماذا سيقدم جون تيرنوس وهل يحمل ملامح مرحلة مختلفة لآبل؟

عقد من النمو وصفر من الإلهام

هل تعلم أن تيم كوك قضى في منصب المدير التنفيذي 5,090 يوما، وهي المدة ذاتها التي قضاها ستيف جوبز. ولكن شتان بين المشهدين. ومع ذلك، حققت آبل تحت قيادة كوك أرقام مذهلة لكنها فقدت روح المؤسس. تصميم الآي-فون لم يتغير جوهرياً منذ 2019، ومشروع السيارة الكهربائية الذي استنزف عقدا من الزمن تم إعدامه، بينما نجحت شركات مثل شاومي وهواوي في إطلاق سياراتها فعليا. حتى نظارة الواقع المختلط فيجين برو تلك التحفة التقنية الباهظة، لا تزال تفتقر إلى المحتوى الذي يجعلها ضرورة وليس مجرد تجربة معملية مخصصة للأثرياء فقط. ليس هذا فحسب، هل تتذكرون إعلانات آبل التي جائت بعنوان “احصل على ماك” حيث سخرت من مايكروسوفت وجهاز الكمبيوتر الذي يعمل بنظام ويندوز. حسنا، تتصدر مايكروسوفت الآن قائمة الشركات من حيث القيمة السوقية والربحية ورؤية المنتج. وقد حققت ألفابت (الشركة الأم لجوجل) تفوقًا في الأرباح. كما سجلت أسهم مايكروسوفت أعلى مستوى لها على الإطلاق مع ترويج الشركة لـ”الذكاء الخارق”. أما إنفيديا صانعة الرقائق الشهيرة التي تدعم الذكاء الاصطناعي، فتنمو بوتيرة متسارعة لدرجة أن قيمتها السوقية تتجاوز قيمة شركة آبل بـ 1.2 تريليون دولار.
خطيئة الذكاء الاصطناعي وسيري العجوز

ربما تكون أكبر سقطات آبل هي التأخر في سباق الذكاء الاصطناعي. فبينما يتحدث العالم عن الذكاء الاصطناعي المتطور الذي لم يعد مجرد أدوات ذكية أو مساعدين رقميين، بل أصبح ذكاء فائق يتجاوز قدرات الإنسان في بعض الجوانب. لا تزال سيري تبدو وكأنها تعيش في العصر الحجري. وحتى عندما راهنت الشركة على “Apple Intelligence” الذي يعتمد على المعالجة داخل الجهاز (On-device) إلا أنه واجه عثرات تنفيذية جعلت الشركة تسحب إعلاناتها الترويجية لعدم قدرتها على تحديد موعد جاهزية الميزات الموعودة.
فخ الصين والدبلوماسية المفقودة

لم يكتفِ كوك بالرهان على المنتج، بل راهن بكل ثقل آبل على الصين. هذا الرهان تحول إلى التزام قانوني ومالي خانق. اليوم، تجد آبل نفسها في المركز الخامس داخل السوق الصيني، بينما تلتهم الشركات المحلية الحصة الأكبر. ومحاولات نقل التصنيع إلى الهند لا تزال سطحية وتفتقر إلى العمق الصناعي الذي بنته آبل في الصين على مدار عقود.
حتى على المستوى السياسي، يبدو أن كوك فقد بريقه. فبينما كان ينظر إليه كحليف لترامب في ولايته الأولى، نرى اليوم جنسن هوانج، المدير التنفيذي لإنفيديا يتصدر المشهد الدبلوماسي والتجاري، تاركا صانع الآي-فون في مقاعد المتفرجين.
هل يحمل جون تيرنوس مفتاح التغيير؟

جون تيرنوس ينتمي إلى المدرسة الهندسية داخل آبل، لأنه رجل منتجات قبل أن يكون رجل أرقام. هذه الخلفية قد تعني عودة التركيز إلى ما جعل آبل مختلفة في الأساس: الجرأة في تصميم أجهزة لا تكتفي بالتحسين، بل تحاول فرض تجربة جديدة بالكامل. وإذا حصل على مساحة القرار، فمن المرجح أن نرى تحولات أعمق في خطوط الأجهزة، سواء في طريقة تطوير الآي-فون أو في فئات جديدة تحاول كسر حالة التكرار التي تسيطر على السوق.
لكن الأهم ليس فقط ماذا سيقدم، بل كيف سيفكر. تيرنوس قد يدفع آبل إلى تقليل الحذر الزائد الذي طبع قراراتها في السنوات الأخيرة، خصوصًا في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد التأخر مقبولًا. وجود قيادة أقرب إلى الهندسة قد يعني تسريع وتيرة التجارب، حتى لو جاء ذلك على حساب بعض الكمال الذي اعتادت عليه آبل. ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في الرهان على التغيير لمجرد تغيير الأشخاص. آبل اليوم ليست شركة صغيرة يمكن قلبها بقرار واحد، بل منظومة ضخمة ومعقدة. أي تحول حقيقي سيتطلب أكثر من قائد جديد، سيحتاج إلى إعادة ضبط في الثقافة الداخلية، وطريقة اتخاذ القرار، وشهية المخاطرة.
باختصار، تيرنوس يحمل ملامح مرحلة مختلفة بالفعل، لكنها ليست مضمونة. هو يمثل فرصة لعودة روح المنتج إلى الواجهة، لكن نجاح هذه المرحلة سيتوقف على مدى استعداد آبل نفسها للتخلي عن منطقة الراحة التي صنعت نجاحها وأصبحت في الوقت ذاته أكبر قيودها.
في النهاية، يمكن القول بان آبل لا تعاني من نقص الإمكانيات بقدر ما تواجه تحدي التوقيت. فالشركة ما زالت تمتلك قوة مالية ضخمة، وقاعدة مستخدمين واسعة، ومنظومة مترابطة يصعب كسرها. لكن في عصر يتشكل بسرعة الذكاء الاصطناعي، لا تكفي هذه المزايا وحدها لضمان الاستمرار في الصدارة. المشكلة أن السوق لا ينتظر المتأخرين، وحتى أفضل المنتجات تفقد تأثيرها إذا وصلت بعد أن حسمت قواعد اللعبة. ولهذا يعتبر الوقت العامل الحاسم وهنا يأتي دور تيرنوس الذي يتوقع أن يحدث ثورة هائلة داخل صانع الآي-فون الفترة القادمة.
هل تعتقد أن جون تيرنوس قادر فعلًا على قيادة آبل نحو مرحلة جديدة؟ أخبرنا في التعليقات!
المصدر:



تعليق واحد