منذ أكثر من عقد من الزمان، تربع الآي-فون وساعة آبل على عرش التقنيات القابلة للارتداء دون منافس حقيقي يهدد هذا العرش. لكن رياح السوق بدأت تهب باتجاهات جديدة قد لا تروق لعملاق كوبيرتينو؛ حيث يزداد اهتمام المستخدمين اليوم بالأجهزة الصحية والرياضية الخالية من الشاشات والمدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تقدم نصائح تفاعلية بدلاً من مجرد أرقام باردة على شاشة ملونة. هذا التحول وضع آبل تحت ضغط متزايد لإعادة التفكير بالكامل في استراتيجيتها الصحية والتقنيات القابلة للارتداء، وسط منافسة شرسة تسعى لتقديم بدائل أبسط وأكثر تركيزاً.

زحف الأجهزة الخالية من الشاشات: البساطة تكسب الرهان
وفقاً للتقارير الأخيرة الصادرة عن الصحفي الشهير مارك جورمان، تواجه آبل خطراً حقيقياً بالتراجع في قطاع ساهمت بنفسها في تشكيله وقيادته لسنوات. فبينما لا تزال ساعة آبل تمثل رافداً مالياً ضخماً للشركة، ينجذب المزيد من المستخدمين إلى خيارات أكثر بساطة لا تحتوي على شاشات تشتت الانتباه وتستنزف عمر البطارية.
شركات ناشئة مثل Oura وWhoop نجحت في بناء إمبراطوريات بمليارات الدولارات تتمحور حول الخواتم والأربطة الذكية البسيطة التي تركز بالكامل على تتبع النوم، والاستشفاء البدني، وتقديم توجيهات صحية مخصصة وعملية للمستخدمين بشكل يومي هادئ دون مئات الإشعارات المزعجة.

المنافسة لم تتوقف عند الشركات الناشئة فحسب، بل امتدت لتشمل عمالقة التقنية الآخرين. إذ تشير التقارير إلى أن جوجل تخطط لدخول هذا القطاع بقوة من خلال جهازها الجديد الخالي من الشاشات Fitbit Air، والمدعوم بمدرب صحي يعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي التوليدي لمرافقة المستخدم وتقديم نصائح صحية مخصصة بناءً على قراءاته البدنية.
نزيف المواهب وهوس التحفظ والبطء لدى آبل
يبدو أن المشكلة لا تكمن فقط في تطور المنافسين وتغير ميول المستهلكين، بل تضرب الأروقة الداخلية لآبل أيضاً. فالشركة عانت مؤخراً من فقدان كفاءات قيادية وهندسية بارزة في قطاع الصحة والعتاد لصالح منافستها Oura، بما في ذلك رئيس قسم الأجهزة المنزلية السابق في آبل، برايان لينش. هذا النزيف المستمر للمواهب يعكس وجود فجوة حقيقية في الرؤية المستقبلية وتطوير المنتجات الصحية داخل الشركة.

على الرغم من أن آبل استكشفت داخلياً فئات بديلة للأجهزة القابلة للارتداء لمحاولة مجاراة سوق الخواتم والأربطة الذكية، إلا أن أياً من هذه المشاريع لا يبدو قريباً من الإطلاق الرسمي بسبب النهج الصارم والحذر الذي تسلكه الشركة، وهو نفس البطء والتحفظ الذي ألقى بظلاله أيضاً على تطوير البرمجيات والحلول الذكية التي ينتظرها المستخدمون بشغف.

هذا التراجع في وتيرة الابتكار زاد من وطأة الانتقادات الموجهة لتطبيق الصحة الرسمي في آي-فون، حيث يرى بعض المسؤولين داخل الشركة أن التطبيق الحالي بات يفتقر إلى تقديم الإرشادات المفيدة والمبسطة، ويبدو مزدحماً وطبياً بشكل جاف، بدلاً من كونه رفيقاً يومياً ذكياً يساعد المستخدم على بناء عادات صحية وإيجابية بشكل مبسط وسلس.
التراجع البرمجي وتأجيل المدرب الذكي Mulberry
ولعل الدليل الأبرز على هذا التعثر الداخلي هو قيام آبل مؤخراً بتقليص حجم مشروعها الطموح لتطوير مدرب صحي يعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي، والذي كان يُعرف داخلياً باسم Mulberry. فبدلاً من إطلاق هذا المدرب الذكي كخدمة منفصلة وقوية تساهم في إحداث ثورة في تتبع الصحة البدنية، قررت آبل دمج ميزاته تدريجياً وبشكل متأخر ضمن تحديثات نظام iOS 27 القادم.

هذا التأجيل الطويل دفع الشركة للتركيز على تحديثات أقل ثورية؛ حيث يُقال إن نظام watchOS 27 القادم سيركز بشكل أساسي على تحسين استقرار النظام العام، وإدخال تحسينات طفيفة على دقة قياسات ضربات القلب والأداء الإجمالي، دون تقديم الميزات الثورية والذكية التي كان يطمح إليها عشاق ومستخدمو ساعة آبل لسنوات متتالية.
هذا التباطؤ البرمجي يضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة آبل على مواكبة العصر الجديد للذكاء الاصطناعي التوليدي في مجال اللياقة البدنية، حيث أصبحت القيمة الكبرى تكمن في تقديم نصائح سياقية تفهم طبيعة يوم المستخدم وظروفه بدلاً من الاكتفاء بجمع البيانات الصامتة.
زلزال إداري في قطاع الصحة والرياضة ومرحلة ما بعد تيم كوك
يتزامن هذا التباطؤ في التطوير مع موجة كبيرة من التغييرات الإدارية والاستقالات الحاسمة داخل قسم الصحة والرياضة والعتاد في آبل. فقد تقاعد المدير التشغيلي السابق جيف ويليامز، وتنحى رئيس تسويق ساعة آبل ستان نج، كما يستعد قائد قطاع اللياقة البدنية والرياضة في الشركة جاي بلاهنيك للمغادرة قريباً.

تأتي هذه التحولات المفصلية في وقت غاية في الحساسية للشركة؛ حيث يستعد الرئيس التنفيذي الحالي تيم كوك لتسليم القيادة رسمياً في شهر سبتمبر المقبل للرئيس القادم جون تيرنوس، والذي سيقع على عاتقه عبء إبقاء الصحة واللياقة البدنية في صدارة استراتيجية آبل العتادية والبرمجية، وإيجاد طريقة فاعلة لإعادة إحياء شغف المستخدمين بساعة آبل.
إعادة هيكلة وبصيص أمل في قياس السكر بدون وخز
لمواجهة هذا الموقف الضاغط ومحاولة تصحيح المسار، بدأت آبل بالفعل في إعادة تنظيم واسعة لفرقها الداخلية. حيث تم نقل الملف التسويقي لساعة آبل والمنتجات الصحية إلى كايان درانس، وهي المسؤولة العريقة التي أدارت بنجاح لسنوات طويلة تسويق هواتف آي-فون، مما يوضح رغبة آبل في ضخ دماء تسويقية تملك خبرة واسعة في إدارة الأجهزة الأكثر مبيعاً لدى الشركة.

وعلى الجانب الهندسي، انتقلت مسؤولية تطوير تقنية قياس نسبة السكر في الدم بطريقة غير جراحية (وهي التقنية السرية والواعدة التي تعمل عليها آبل منذ سنوات طويلة لمساعدة مرضى السكري) من رئيس هندسة المنصات تيم ميليت إلى القائد الهندسي زونججيان تشن.
هذا الانتقال يراه بعض المطلعين داخل الشركة بمثابة إشارة إيجابية واضحة تدل على أن هذه التقنية بالغة التعقيد قد بدأت أخيراً تتجاوز العقبات البحثية والنظرية، لتنتقل إلى مرحلة التطوير الهندسي والإنتاجي الفعلي كمنتج حقيقي قد يرى النور في المستقبل القريب؛ وهو السلاح السري الحقيقي الذي يمكن أن يعيد لآبل ريادتها وهيمنتها المطلقة على قطاع الصحة الرقمية والتقنيات القابلة للارتداء.
المصدر:



اترك رد