أن نقول إن ذكاء سيري (Siri AI) الجديد من آبل يمثل تحسناً هائلاً مقارنة بالإصدارات السابقة، فهذا تقليل كبير من شأن ما حدث؛ فنحن نتحدث هنا عن إعادة كتابة المساعد بالكامل من الصفر ليدخل حقبة جديدة كلياً. ومع ذلك، قد لا يكون هذا التحديث هو ما تمنّاه البعض بالضبط، خاصة أولئك الذين انتظروا رؤية سيري يتحول إلى روبوت دردشة تقليدي مثل ChatGPT أو Gemini. فعلى الرغم من أن المظهر الخارجي قد يوحي بذلك، إلا أن الفروقات الجوهرية تكمن في التفاصيل والعمق.

سيري ليس روبوت دردشة لخدمتك الأكاديمية!
تصميم آبل الجديد لسيري لا يهدف أبداً إلى جعلها رفيقتك الافتراضية، بل مصلحة آبل واضحة وصريحة: سيري مصممة لتكون مساعداً شخصياً محترفاً ومهنياً. إجاباتها لطيفة، ولكنها جافة وعملية في الوقت ذاته، مما يحافظ على شخصيتها الكلاسيكية التي عرفناها قبل 15 عاماً، ولكن مع عقل أذكى بكثير هذه المرة.
هذه الطبيعة العملية تعني أيضاً أن سيري لن تذهب لتكتب لك أوراقاً بحثية أو تلخص لك صفحات الويب الطويلة بحرية مطلقة. وبينما يرحب مساعد “جيميني” من جوجل أو شات “جي بي تي” بالذهاب للإنترنت والقيام بالبحث الشامل بدلاً منك، فإن آبل فرضت قيوداً واضحة تمنع سيري من قراءة صفحات الويب الخارجية بطلب مباشر من الروابط.

في النسخة التجريبية الثانية للمطورين من تحديث iOS 27، أصبح هذا القيد رسمياً وواضحاً؛ حيث ترفض سيري صراحة تلبية أي طلب يتعلق بتلخيص أو قراءة الروابط (URLs). وقد كشفت توجيهات النظام الداخلية (System Prompts) الموجهة للذكاء الاصطناعي الخاص بسيري عن تعليمات صارمة ومباشرة تقول: “لا يمكنك الوصول إلى المحتوى خلف عنوان URL: عندما يقدم المستخدم عنوان URL ويطلب منك تلخيصه أو قراءته أو استخراج معلومات منه، أخبره صراحة بأنك لا تستطيع الوصول إلى صفحات الويب. ولا تقدم أي اقتراحات للمتابعة أو حلول بديلة.”
فلسفة كريج فيدريجي الصارمة في الخصوصية والتكامل
هذا القيد الواضح لا يبدو عجزاً تقنياً بقدر ما هو قرار فلسفي بحت من آبل. ولطالما عبّر رئيس برمجيات آبل، كريغ فيدريغي، عن تشككه وحذره تجاه الذكاء الاصطناعي بشكل عام، حيث سعى منذ البداية لبناء تجربة متكاملة على مستوى النظام، تركز على الخصوصية والعملية بدلاً من مجرد لصق “روبوت دردشة جانبي” لا فائدة حقيقية له في إدارة جهاز الآي-فون الخاص بك.
وفي مقابلة شهيرة مع الصحفية جوانا ستيرن في يونيو 2025، أكد فيدريغي أن آبل ليست مهتمة بتقديم مجرد واجهة محادثة عشوائية، بل ميزتها الحقيقية تكمن في التكامل العميق. وحين سُئل في مؤتمر المطورين عن سبب جعل التجربة تفاعلية ومحفوظة في تطبيق مخصص، أوضح أن المستخدم يحتاج لمكان واضح على الشاشة الرئيسية للعودة للمحادثات السابقة وإدارتها بشكل مألوف وطبيعي.

إلى جانب ذلك، هناك مسألة حقوق النشر والملكية الفكرية؛ فبينما واجهت آبل بعض الاتهامات السابقة حول تدريب نماذجها، إلا أنها تظل أكثر حذراً من منافسيها الذين يجمعون البيانات من الويب بلا قيود. منع سيري من قراءة الروابط بشكل عشوائي يتماشى تماماً مع هذه الرؤية الحذرة، مما يترك مساحة واسعة للمنافسين مثل جيميني وشات جي بي تي للقيام بتلك المهام، بينما تركز سيري على شؤون جهاز الآي-فون الخاص بك.
المصدر:



اترك رد