لطالما كان المساعد الصوتي سيري مادة دسمة للمزاح بين عشاق التقنية عندما يتعلق الأمر بالإجابة عن أسئلة الواقع ومعرفة ما يدور في العالم بدقة؛ لكن يبدو أن آبل قررت وضع حد لهذه المسألة نهائياً وبطريقتها المعهودة: ضخ مبالغ طائلة واللعب وفق القواعد القانونية الصحيحة. مع اقتراب التحول إلى سيري المدعوم بالذكاء الاصطناعي في نظام iOS 27، تبذل الشركة جهوداً حثيثة لضمان أن يكون مساعدها الذكي على دراية تامة ومحدثة بما يجري حوله، وليس مجرد قارئ لصفحات الويب السطحية.

ميزانية من تسعة أرقام لربط سيري بالأخبار الحية
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، تجري آبل محادثات متقدمة مع كبرى دور النشر والمؤسسات الإعلامية للحصول على ترخيص رسمي للوصول إلى محتواها الإخباري ومعلوماتها الموثوقة. المثير للاهتمام أن آبل لم تأتِ بعروض متواضعة، بل تقترح عقوداً تمتد لعدة سنوات مع ميزانية ضخمة تصل إلى تسعة أرقام (أي مئات الملايين من الدولارات)، مما يعكس جدية كوبرتينو في بناء قاعدة معرفية قوية وشرعية لمساعدها الصوتي.

هذا التوجه يمثل نقلة نوعية مقارنة بما كان عليه سيري في الماضي؛ حيث كان يعتمد سابقاً على نتائج محركات البحث ومصادر المعرفة العامة مثل ويكيبيديا. وعندما أعلنت الشركة عن منظومة ذكاء آبل (Apple Intelligence) لأول مرة، ركزت على منح سيري فهماً عميقاً لـ “السياق الشخصي” للمستخدم عبر قراءة البريد والرسائل والمواعيد على جهاز الآي-فون، مع إحالة الأسئلة العامة والمعرفة العالمية إلى أدوات خارجية مثل ChatGPT. لكن الاعتماد الدائم على طرف ثالث لم يكن يوماً ضمن خطة آبل طويلة الأمد.
مساعد عملي صارم وليس رفيقاً للدردشة
تأتي هذه الصفقات أيضاً لتتوافق مع فلسفة آبل الصارمة تجاه الذكاء الاصطناعي؛ فمسؤولو الشركة أوضحوا بوضوح أن سيري ليس مصمماً ليكون “رفيقاً عاطفياً” أو روبوت دردشة للتسلية، بل أداة إنتاجية عملية. ولهذا السبب بالتحديد، تتجنب آبل تضمين ميزة الذاكرة المستمرة للمحادثات السابقة بالطريقة الموجودة في أدوات مثل ChatGPT أو Gemini، والتي قد تتسبب أحياناً في تداخل السياقات ونقل الهلوسات الرقمية عبر الجلسات المتعددة.

هذا النهج له مزاياه وعيوبه بطبيعة الحال؛ فعدم الاحتفاظ بسجل المحادثات الطويل يضمن للمستخدم محادثة نظيفة خالية من الشوائب والبيانات المغلوطة في كل مرة يفتح فيها المساعد، لكنه في المقابل يفتقر إلى التخصيص المتعمق الذي تتيحه ميزات مثل Custom GPTs أو Gems في المنصات المنافسة، مما قد يضطر المستخدم أحياناً لإعادة توضيح بعض النقاط الأساسية.
احترام حقوق الملكية والابتعاد عن الشبهات
الاستثمار الضخم في شراء حقوق المحتوى ليس جديداً تماماً على آبل، فقد كشفت تقارير سابقة من نيويورك تايمز عن صفقات مبكرة أبرمتها الشركة أواخر عام 2023 لتدريب نماذجها، لكن التوجه الحالي يركز على تزويد سيري بتغذية إخبارية ومعلوماتية فورية وقانونية تتيح له تقديم ملخصات ذكية واستشهادات واضحة دون الوقوع في فخ انتهاك حقوق التأليف والنشر.

في وقت تواجه فيه صناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها انتقادات لاذعة ودعاوى قضائية بسبب تدريب النماذج على بيانات مسروقة من الويب أو تفريغ محتوى مقاطع يوتيوب دون إذن صناعها، تختار آبل الطريق الأكثر أماناً واستدامة عبر الدفع المباشر للناشرين، لتضمن دقة الإجابات على شاشات أجهزتنا وراحة بالها القانونية في آن واحد.
المصدر:



اترك رد