يبدو أن الفضاء لم يعد يتسع للجميع، أو على الأقل هذا ما تظنه أمازون. ففي تحرك قد يقلب موازين القوى في عالم الاتصالات الفضائية، دخلت أمازون في مفاوضات جادة للاستحواذ على مجموعة “جلوبال ستار” (Globalstar) في صفقة تقدر بنحو 9 مليارات دولار. لكن هناك مشكلة صغيرة (أو كبيرة بالأحرى): آبل ليست مجرد “زبون” لدى جلوبال ستار، بل هي الشريك الاستراتيجي الذي يسيطر على مفاصل الشبكة، مما يجعل هذه المفاوضات أشبه بلعبة شطرنج معقدة بين عمالقة التكنولوجيا.

أمازون وطموحات “Kuiper” لمنافسة إيلون ماسك
أمازون لا تريد البقاء في ظل “ستارلينك” التابعة لإيلون ماسك للأبد. من خلال مشروعها الخاص “كويبر” (Project Kuiper)، تسعى لبناء كوكبة من الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض لتوفير إنترنت عالي السرعة في كل مكان. وحتى الآن، أطلقت أمازون أكثر من 180 قمراً صناعياً، وهو رقم يبدو متواضعاً جداً أمام الـ 10,000 قمر نشط لدى ستارلينك، لذا فإن الاستحواذ على شركة قائمة مثل جلوبال ستار سيمنحها دفعة فنية هائلة.

أمازون بدأت بالفعل في التخطيط لاستغلال هذه القدرات الفضائية، حيث وقعت اتفاقيات تجارية كبرى، شملت توفير خدمة الواي فاي المجانية عالية السرعة على رحلات شركة “دلتا” للطيران بدءاً من عام 2028. الاستحواذ على جلوبال ستار سيعزز هذا التوجه ويضع أمازون كلاعب رئيسي لا يمكن الاستهانة به في سماء التكنولوجيا.
هل تسمح آبل بهذه الصفقة؟
هنا تصبح الأمور مثيرة للاهتمام، فآبل ليست مجرد متفرج، بل هي شريك متغلغل في جذور جلوبال ستار. آبل تملك حالياً حصة 20% في الشركة بعد استثمار ضخم قدره 1.5 مليار دولار في عام 2024. وقبل ذلك، ضخت آبل 450 مليون دولار من خلال “صندوق التصنيع المتقدم” لبناء البنية التحتية لميزات القمر الصناعي التي أبهرتنا بها في آي-فون 14. الصفقة الحالية بينهما تلزم جلوبال ستار بتخصيص 85% من سعة شبكتها بالكامل لصالح آبل فقط.

هذا الالتزام الحصري يدعم ميزات حيوية مثل طوارئ SOS عبر الأقمار الصناعية والمراسلة عبر الأقمار الصناعية. فكيف يمكن لأمازون أن تستحوذ على شركة بينما جارتها اللدود آبل تملك مفاتيح الغرفة الرئيسية؟ المفاوضات معقدة للغاية لأن أي مالك جديد لجلوبال ستار سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع شروط آبل القاسية والتزاماتها التي لا تقبل الجدل.
مستقبل الاتصالات في آي-فون 18 وما بعده
بالنسبة لآبل، جلوبال ستار هي العمود الفقري لخططها الطموحة بعيدة المدى. الأمر لم يعد يقتصر على رسائل الطوارئ فقط، بل تشير التقارير إلى أن آبل تعمل على تطوير خرائط مدعومة بالأقمار الصناعية ومراسلة الصور لضمان بقاء المستخدم متصلاً حتى في أبعد نقطة في الصحراء. بل إن التوقعات تذهب إلى أبعد من ذلك مع آي-فون 18 برو، الذي قد يدعم إنترنت الأقمار الصناعية بتقنية 5G من خلال مودم C2 الذي تطوره آبل داخلياً.

الاستثمار في البنية التحتية الفضائية هو جزء من استراتيجية آبل لتقليل الاعتماد على شركات الاتصالات التقليدية وتوفير تجربة مستخدم متكاملة. لذا، فإن دخول أمازون على الخط قد يهدد هذه الاستقلالية، أو على الأقل سيجبر آبل على الدخول في مفاوضات شاقة لحماية مصالح مستخدمي آي-فون في المستقبل.
سوق مشتعل ومفاوضات على كف عفريت
بمجرد انتشار أنباء الاستحواذ، قفزت أسهم جلوبال ستار لتصل قيمتها السوقية إلى حوالي 9 مليارات دولار، وهو ما يعكس حماس المستثمرين لهذه الدراما التقنية. الشركة حققت إيرادات بلغت 273 مليون دولار في عام 2025، بزيادة 9% عن العام السابق، وهي أرقام تجعلها فريسة مغرية لأمازون التي تملك ميزانية تكاد لا تنتهي. ورغم ذلك، لا يوجد اتفاق نهائي حتى الآن، والمحادثات قد تنهار في أي لحظة خاصة إذا لم يتم التوصل إلى صيغة ترضي آبل.

التحدي الأكبر يكمن في كيفية التوفيق بين طموحات أمازون في بناء شبكتها الخاصة، والتزامات جلوبال ستار الصارمة تجاه نظام آبل البيئي. حتى الآن، تلتزم جميع الأطراف الصمت المطبق، حيث رفضت آبل وأمازون التعليق على هذه التقارير، بينما اكتفت جلوبال ستار بالقول إنها لا تعلق على شائعات السوق. نحن أمام صراع عمالقة حقيقي، والضحية أو المستفيد الأكبر سيكون المستخدم النهائي.
المصدر:



اترك رد