لطالما قدمت آبل نفسها باعتبارها الشركة التي تعرف كيف توازن بين الابتكار وحماية خصوصية المستخدم، لكن وصول جون تيرنوس إلى مقعد القيادة قد يفتح فصلًا مختلفًا في تاريخها. فبينما تتجه الشركة نحو أجهزة أكثر ذكاءً وقدرات جديدة، تلوح في الأفق تساؤلات لا تتعلق بما تستطيع آبل تقديمه فحسب، بل بما قد يضطر المستخدم إلى دفعه مقابل ذلك، سواء من ماله أو من خصوصيته. هل يحمل عصر جون تيرنوس أجهزة أكثر تكلفة وميزات أكثر تطفلًا، أم أن مخاوف المستخدمين تسبق ما تخطط له الشركة؟ خلال السطور التالية، سوف نأخذكم في جولة سريعة حيث نستكشف التحولات التي قد ترسم ملامح مستقبل آبل تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد.

بداية جديدة

لم يكن ظهور جون تيرنوس في العرض الرئيسي لشركة آبل يوم 9 سبتمبر مجرد انتقال رسمي للسلطة من تيم كوك إلى خليفته، بل كان لحظة ينتظرها كثيرون لمعرفة الاتجاه الذي ستسلكه الشركة خلال السنوات المقبلة. فمع الكشف عن أجهزة جديدة مثل ساعة آبل الذكية وسماعات إيربودز وآي-فون 18 برو وبرو ماكس بالإضافة إلى آي-فون ديو. برز سؤال أكبر من مواصفات الأجهزة وهو هل نحن أمام بداية مرحلة مختلفة فعلًا، أم استمرار للنهج الذي رسخه كوك ولكن بأساليب جديدة؟
بالطبع قد تحتاج الإجابة إلى أشهر أو حتى سنوات، إلا أن المؤشرات الأولى، وفقًا للمؤشرات والتحليلات التي ظهرت قبل الحدث وخلاله، لا توحي بتغيير جذري. فارتفاع أسعار المنتجات، والطموحات المتزايدة لتعظيم إيرادات الخدمات، والتوسع في ميزات الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على التقاط ما يدور حول المستخدم، كلها تفتح الباب أمام نقاش واسع حول مستقبل آبل تحت قيادة خليفة تيم كوك.
إرث تيم كوك

رغم أن عهد تيم كوك شهد توسعًا كبيرًا في أعمال آبل، إلا أنه ارتبط كذلك بسياسة واضحة تهدف إلى التركيز على الأرقام وتعظيم الإيرادات في جميع المنتجات والخدمات. ولهذا، فقد توسعت الشركة في طرح إصدارات متعددة، خصوصًا طرز برو ذات الأسعار الأعلى وهوامش الربح الأكبر، بالتزامن مع دفع خدماتها المختلفة إلى الواجهة للاستفادة من قاعدة المستخدمين المرتبطين بمنظومة آبل.
وخلال سنوات قيادة كوك، عملت الشركة بصورة مستمرة على رفع متوسط أسعار البيع وزيادة الإيرادات التي تحققها من كل مستخدم. ولم يقتصر هذا النهج على المنتجات والخدمات، بل امتد كذلك إلى سلسلة التوريد، إذ كان كوك من المسؤولين الرئيسيين عن ترسيخ نموذج التصنيع الخارجي في الصين.
وبناءً على ذلك، يصعب توقع حدوث تغيير كبير في هذه السياسة، خاصة أن جون تيرنوس يُنظر إليه باعتباره اختيارًا مدعومًا من كوك نفسه. ويتجلى ذلك بوضوح في سعر آي-فون ديو القابل للطي، الذي يتراوح سعره في أمريكا بين 1999 و3199 دولارًا. أما المستخدمون في كندا وأستراليا، فقد يدفعون نحو 10% إضافية حتى بعد احتساب فروق أسعار الصرف، بينما ترتفع التكلفة بصورة أكبر في أسواق مثل تركيا والبرازيل.
أما في الدول العربية، فيبدأ سعر آي-فون ديو الرسمي في السعودية من 9499 ريال سعودي (زيادة قدرها 530 دولار) . وفي مصر، لا يوجد سعر رسمي، ومع ذلك، تستطيع شراء هاتف آبل القابل للطي بحسب أحد الوكلاء المعتمدين مقابل 150000 جنيه مصري (زيادة قدرها 890 دولار). وبالنسبة للإمارات، يمكن الحصول على الهاتف رسميا مقابل 8499 درهم إماراتي (زيادة تصل إلى 315 دولار).
من الأرقام الظاهرة أمامنا، نستطيع على الفور أن نستنتج بأن تكاليف المكونات قد ارتفعت حاليا، إلا أن آبل تبدو وكأنها تستغل الأسواق الدولية بشكل أكبر لتحقيق هوامش ربح إضافية.
ملحوظة: الأسعار المذكورة في المقال تخص إصدار آي-فون ديو بسعة تخزين 256 جيجابايت.
آي-فون ديو يرفع سقف الأسعار

يمكن القول بأن سعر آي-فون ديو القابل للطي يمثل امتدادًا لسياسة استمرت خلال عهد كوك، وتقوم على دفع المستخدمين لإنفاق مبالغ أكبر عند ترقية هواتفهم. وتزداد الصورة تعقيدًا مع تأجيل طرح آي-فون 18 الأساسي إلى العام المقبل، الأمر الذي قد يمنح الهاتف القابل للطي دورًا أكبر في رفع متوسط أسعار أجهزة آي-فون خلال المرحلة المقبلة.
وبذلك، لا يقدم الهاتف القابل للطي تغييرًا في التصميم فحسب، بل يمثل أيضًا فرصة تجارية لآبل من أجل تقديم فئة جديدة مرتفعة السعر، حتى لو كانت الفكرة نفسها مختلفة عن التطورات التدريجية التي اعتادت الشركة طرحها خلال السنوات الماضية.
متجر آبل هو التالي

لا تقتصر المخاوف المرتبطة بعهد تيرنوس على الأجهزة، إذ ظهرت مؤشرات مشابهة في قطاع الخدمات. وقبل أول عرض رئيسي يقوده الرئيس التنفيذي الجديد، أفاد مارك جورمان من بلومبيرج بأن فيل شيلر لم يترك منصبه في آب ستور لأنه يرغب في قضاء وقت أطول مع عائلته فقط. بل كان يشعر بالقلق أيضًا من خطط تيرنوس وإدي كيو، رئيس الخدمات في آبل.
ووفقًا لما أورده جورمان، يرغب تيرنوس وكيو في تحقيق إيرادات أكبر من متجر التطبيقات، والبحث عن طرق لرفع هوامش الربح وزيادة الإيرادات من المنصة. وفي المقابل، يبدو أن شيلر يرى أن هذه التوجهات قد تزيد استياء المطورين والمستخدمين والحكومات من سياسات آبل.
ويعتقد جورمان أن تعزيز الأرباح قد يتخذ عدة أشكال، مثل إطلاق المزيد من خدمات الاشتراك على غرار باقة Apple Creator Studio التي ظهرت في وقت سابق من العام ويمكن الاشتراك بها مقابل 13 دولار شهريا. أو رفع أسعار خدمات مثل Apple TV وApple One التي تم بالفعل زيادة أسعارها الشهر الماضي. كما قد تواصل آبل الدفاع عن عمولتها التي تصل إلى 30% من بعض المعاملات التي تتم عبر متجرها رغم محاولات الجهات التنظيمية تقليص نفوذها.
من وجهة نظري، لن تسير آبل في اتجاه واحد، بل ستجمع بين رفع الأسعار وتوسيع الخدمات والاعتماد على الذكاء الاصطناعي لفتح أبواب جديدة للإيرادات. وقد تتحول بعض ميزات الذكاء الاصطناعي تدريجيًا إلى جزء من هذا النموذج، سواء عبر خدمات جديدة أو مزايا تحمل تكلفة إضافية. لكن خلف هذه المعادلة، يتبادر سؤال في الأذهان، إلى أي مدى يمكن رفع الأسعار وتوسيع مصادر الإيرادات قبل أن يشعر المستخدمون والمطورون بأن تكلفة البقاء داخل منظومة آبل أصبحت أعلى من السابق؟
الذكاء الاصطناعي و الخصوصية

تهتم آبل بخصوصية مستخدميها مقارنة بأي شركة أخرى، لأنها ترى أن الخصوصية عبارة عن حق أساسي من حقوق الإنسان. وفي عهد تيم كوك، كانت الخصوصية ركيزة أساسية في استراتيجية أبل التسويقية. ولأن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يعرض تلك الخصوصية للخطر. ظلت آبل طوال الوقت حريصة عند الحديث عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، على التأكيد على أن كل شئ يتم محليا على الجهاز نفسه، كما يتم استخدام خدمة حوسبة خاصة للمهام التي تتطلب معالجة في مراكز بياناتها.
لكن كل شئ سيتغير مع جون تيرنوس الذي سيركز الفترة القادمة على دمج الذكاء الاصطناعي بشكل أوسع داخل منتجات آبل. ويتجلى ذلك بوضوح في الميزات الجديدة لساعة آبل الذكية التي يمكنها تسجيل كل ما يُقال في محيطها للتعرف على الأصوات والموسيقى. بالإضافة إلى تقديم ملخصا للمحادثات، كما تتيح خاصية الإرجاع المباشر (Live Rewind) رؤية نص مكتوب لما قيل حولك خلال الثواني الخمس عشرة الماضية.
المشكلة هنا أن هذه الميزات الجديدة من آبل، تأتي في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول حدود الخصوصية مع انتشار الأجهزة القابلة للارتداء، وقدرتها على التقاط ما يدور حول المستخدم أو الاستماع إليه. وتزداد حساسية هذه المخاوف مع الجدل المرتبط بنظارات ميتا الذكية، التي استُخدمت في بعض الحالات لتصوير الآخرين ومراقبتهم دون علمهم. ومع انتقال هذه الإمكانات إلى ساعة آبل، قد تجد الشركة نفسها أمام انتقادات متزايدة، خصوصًا أن الخصوصية لطالما شكّلت جزءًا أساسيًا من صورتها ورسالتها التسويقية.
في النهاية، قد تتساءل، هل يمثل عهد تيرنوس تغييرًا حقيقيًا؟ أم أن آبل تمضي في المسار نفسه، لكن بوجه جديد وشعارات مختلفة؟ لا تزال ملامح هذه المرحلة في بدايتها، إلا أن ارتفاع الأسعار، والسعي لتعظيم إيرادات آب ستور، والتوسع في الميزات التي تثير مخاوف الخصوصية، تفتح الباب أمام تساؤلات أكبر حول أولويات الشركة. وبين وعود الابتكار وطموحات النمو، سيكون التحدي الحقيقي أمام جون تيرنوس هو إثبات أن مستقبل آبل لا يُبنى على زيادة الإيرادات فحسب، بل على الحفاظ على الثقة التي صنعت مكانتها لدى المستخدمين والمطورين.
من وجهة نظرك، هل يصبح عهد تيرنوس أغلى وأقل خصوصية؟ أخبرنا في التعليقات!
المصدر:



3 تعليق