لم يكن صعود شركة آبل إلى قمة الهرم التكنولوجي وليد الصدفة أو مجرد نتاج لمعالجات سريعة، بل كان رحلة من الإبداع المتواصل والسعي لجعل التكنولوجيا تجربة ساحرة للمستخدم العادي. وفي كتابه “آبل: السنوات الخمسون الأولى“، يستعرض الصحفي المخضرم ديفيد بوج أسرار من كواليس آبل والتي تكشف لنا، لماذا يختلف صانع الآي-فون عن أي شركة أخرى. وفي هذا المقال، سنأخذكم في جولة ممتعة وسريعة حيث نستعرض قصص لا تصدق من تاريخ آبل تكشف عقلية العباقرة خلفها.

عباقرة آبل

واحدة من أكثر القصص إثارة تعود إلى نهاية السبعينيات، حين زار ستيف جوبز وفريقه مركز أبحاث زيروكس الشهير (قام بتطوير الجيل القادم من منتجات الكمبيوتر). حيث شاهدوا لأول مرة واجهات الحواسيب الرسومية والنوافذ المتداخلة التي أصبحت لاحقًا أساس أنظمة التشغيل الحديثة.
لكن المبرمج العبقري بيل أتكينسون لاحظ أن هناك مشكلة تقنية لم تكن تعمل بالشكل المطلوب، تتعلق بتحريك النوافذ فوق بعضها بسلاسة. بعد أسابيع من المحاولات، نجح أتكينسون في ابتكار حل تقني من تلقاء نفسه، قبل أن يكتشف لاحقًا أن مهندسي زيروكس أنفسهم لم يتمكنوا أصلًا من حل المشكلة. المفارقة أن آبل لم تكتف بتقليد الفكرة، بل طورتها إلى مستوى لم يصل إليه أصحابها الأصليون.
ستيف جوبز وحوض السمك

من أشهر القصص المتداولة عن ستيف جوبز أنه أسقط نموذجًا أوليًا من جهاز الآي-بود داخل حوض أسماك بعدما أخبره الفريق أن الجهاز لا يمكن تصغيره أكثر. وعندما ظهرت فقاعات الهواء من الجهاز، قال جوبز عبارته الشهيرة “ما دام هناك هواء بالداخل، فهذا يعني أن هناك مساحة يمكن استغلالها”.
ورغم أن هذه القصة تحولت إلى أسطورة متداولة داخل عالم التقنية، فإن بعض المقربين من آبل أكدوا لاحقًا أنها لم تحدث فعليًا، لكنها ظلت تعبّر بشكل مثالي عن عقلية جوبز المهووسة بالتفاصيل الصغيرة.
اختبار تقنية Face ID

عندما بدأت آبل تطوير ميزة التعرف على الوجه Face ID، لم تكتف بالاختبارات التقليدية. وبحسب الروايات، نظمت الشركة فعاليات خاصة لموظفيها تطلب منهم الحضور بأشكال غريبة، سواء عبر المكياج أو اللحى أو الشعر المستعار، فقط لمعرفة ما إذا كان النظام سيفشل في التعرف على الوجوه.
بل إن الاختبارات امتدت إلى مؤتمرات التوائم المتطابقين وتجمعات سائقي الدراجات النارية وحتى أن الشركة قررت اختبار التقنية في مناطق مختلفة حول العالم مثل قبائل في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تختلف بنية الوجه عن بنية الوجه الأوروبية لضمان أن Face ID تعمل مع كافة ملامح الوجوه البشرية. وللتأكد من عدم خداع النظام، استعانت آبل بخبراء مؤثرات سينمائية في هوليوود لصناعة أقنعة فائقة الواقعية، في محاولة لاختراق النظام البيومتري الجديد.
العرض الذي أبهر العالم

في نهاية التسعينيات، كان الإنترنت اللاسلكي لا يزال فكرة غامضة بالنسبة للكثير من الأشخاص، لكن آبل قررت تقديمه بطريقة استعراضية لا تُنسى. وخلال أحد مؤتمرات ماك وورلد، صعد الممثل الأمريكي نوح وايلي على أنه ستيف جوبز إلى المسرح لخداع الجمهور قبل أن يظهر جوبز الحقيقي لاحقًا وسط ضحكات الحضور.
لكن اللحظة التاريخية جاءت عندما كشف جوبز عن جهاز iBook الجديد، ثم بدأ يتصفح الإنترنت أثناء تجوله بحرية على المسرح دون أي كابلات. ولإثبات أن الجهاز يعمل لاسلكيًا بالفعل، مرر جوبز طوقًا دائريًا فوق الحاسوب أمام الجمهور، في استعراض بسيط لكنه ساهم في تعريف الملايين لأول مرة بفكرة الواي فاي.
ميزة بوج

من بين القصص الطريفة داخل آبل، تبرز حكاية ميزة تبدو اليوم بسيطة للغاية، لكنها لم تكن موجودة في البداية وهي التقاط صورة للشاشة. فعندما طرح أول آي-فون، لم يكن يدعم هذه الميزة، وهو ما وضع الكاتب ديفيد بوج في مأزق أثناء إعداده كتابًا يشرح طريقة استخدام الهاتف.
وبعد سلسلة طويلة من النقاشات مع آبل، وافقت الشركة على حل غير معتاد، إذ خصصت أحد موظفيها للعمل لأشهر كاملة على إنشاء المئات من لقطات الشاشة يدويًا باستخدام أدوات داخلية غير متاحة للعامة.
لكن القصة لم تنته عند هذا الحد، فلاحقًا قررت آبل تحويل تلك الأداة السرية إلى ميزة رسمية داخل الآي-فون والتي تتيح للمستخدم التقاط الشاشة بسهولة عبر الضغط على زرين معًا. والأطرف أن هذه الخاصية كانت تعرف داخل الشركة باسم “ميزة بوغ”، تكريمًا للكاتب الذي دفع الشركة لتطويرها للمستخدمين.
في النهاية، يمكن القول بأن ما تكشفه هذه القصص ليس مجرد مواقف طريفة من داخل الشركة، بل فلسفة كاملة تعتمد على الهوس بالتفاصيل، وتجربة المستخدم، والبحث المستمر عن طرق تجعل التكنولوجيا أكثر بساطة وسحرًا. ولهذا السبب، لم تكن آبل مجرد شركة ناجحة في بيع الأجهزة، بل واحدة من أكثر الشركات تأثيرًا في طريقة تعامل البشر مع التقنيات الحديثة.
المصدر:



اترك رد