دائمًا ما تُروى قصة ستيف جوبز كملحمة إغريقية ملهمة؛ البطل العبقري الذي طُرد من جنته آبل، ثم عاد منتصرًا بعد سنوات لينقذها من الإفلاس ويغير العالم بأجهزة مثل الآي-فون والآي-باد وغيرهما. لكننا نادرًا ما نتوقف عند كواليس تلك السنوات التي قضاها في “المنفى” التجاري. كتاب جيفري كين الجديد، “ستيف جوبز في المنفى: القصة غير المروية لشركة NeXT وإعادة بناء عبقري أمريكي”، يأتي ليروي لنا الجانب الآخر غير المصقول من هذه الرحلة؛ قصة مليئة بالإخفاقات التجارية القاسية التي واجهها جوبز قبل أن يصبح القائد الأسطوري الذي نعرفه اليوم.
الخروج المر والهروب إلى NeXT
خلافًا للاعتقاد الشائع والمثير، لم يتم طرد ستيف جوبز من آبل بشكل مباشر وفوري ومباشر في عام 1985. بدلاً من ذلك، تم تجميده و“ركنه” في دور هامشي بلا أي صلاحيات حقيقية، حتى دفعه الإحباط الشديد إلى تقديم استقالته. بعد خروجه، شعر جوبز برغبة عارمة في إثبات ذاته، فأسس شركة “NeXT Computer” مستهدفًا سوقًا محددة بذكاء: حواسيب محطات العمل القوية المخصصة للتعليم العالي والبحث العلمي.

كان جوبز يعلم أن آبل لم تكن مهتمة بهذا القطاع الأكاديمي المتخصص في ذلك الوقت، مما جعله يعتقد أنه سيتجنب الدعاوى القضائية المكلفة والمشتتة مع شركته السابقة، وهو ما تبين لاحقًا أنه مجرد وهم. حدد جوبز مواصفات طموحة للجهاز المرتقب، والذي أطلق عليه الباحثون مواصفات “3M”: ذاكرة بسعة ميجابايت، شاشة بدقة مليون بكسل، ومعالج قادر على معالجة مليون أمر في الثانية، على ألا يتجاوز سعره 10 آلاف دولار ليناسب ميزانيات الجامعات.
الهوس بالتفاصيل وعقدة التدمير الذاتي
هنا بدأت المشكلة الحقيقية والدورة المعتادة لستيف جوبز. بدلاً من التركيز على تقديم منتج يلبي حاجة السوق التعليمية بسعر مناسب، غرق جوبز في هوسه بالتفاصيل الجمالية والهندسية المكلفة. اهتم بتصميم معماري فائق الفخامة للمصنع الذي سينتج الأجهزة، وصمم علبة الكمبيوتر على شكل مكعب معدني كامل بالمليمتر، وهي عملية تصنيع معقدة ومكلفة لم يسبق لها مين في تاريخ الصناعة.

النتيجة كانت متوقعة؛ الحاسوب الذي أنتجته NeXT كان تحفة فنية وهندسية مبهرة، ولكنه فشل تمامًا كمنتج تجاري موجه للطلاب والجامعات بسبب سعره المرتفع للغاية وعجزه عن تحقيق أرقام مبيعات جيدة. وتكرر هذا النمط من القرارات المدمرة مرارًا وتكرارًا؛ حيث رفض جوبز صفقة إنقاذ ضخمة عرضها عليه المستثمر الشهير روس بيرو لبيع الأجهزة لوكالات الاستخبارات الأمريكية لتحليل صور الأقمار الصناعية، مبررًا ذلك بعدم رغبته في التعامل مع الجهات الحكومية!
وفي فرصة أخرى، لاحت لشركة NeXT إمكانية بيع نظام تشغيلها المتطور لشركة IBM، وهو ما كان سيتيح للنظام السيطرة على سوق الحواسيب الشخصية قبل أن يحكم نظام ويندوز قبضته على العالم. لكن جوبز قرر فجأة إلغاء الصفقة لأنه لم يشعر بالراحة في العمل مع IBM. لقد كان جوبز، بقراراته الشخصية المزاجية، العدو الأول لشركته الخاصة.
الدروس الصعبة والعودة العظيمة
في نهاية المطاف، أنقذ نظام التشغيل المبني على Unix ونواة Mach شركة NeXT من الانهيار التام، حيث جعلها هدفًا مثاليًا للاستحواذ من قبل آبل التي كانت تبحث بائسة في أواخر التسعينيات عن نظام تشغيل بديل لنظام ماك الكلاسيكي. ويرى الكاتب جيفري كين أن سنوات NeXT لم تكن مجرد مرحلة دراسات عليا مريحة نضج فيها جوبز تلقائيًا، بل كانت معركة قاسية هُدم فيها كبرياؤه مرارًا وتكرارًا.

لقد أدرك جوبز أخيرًا أن حدسه ليس معصومًا من الخطأ، وأن “حقل تشويه الواقع” الذي يشتهر به لا يمكنه تغيير الأرقام والحقائق التجارية على أرض الواقع. والجدير بالذكر أن نجاحه الأكبر في تلك الحقبة كان مع شركة بيكسار (Pixar)، وتحديدًا لأنه اتخذ فيها مسارًا مغايرًا تمامًا؛ حيث ترك الإدارة الفنية واليومية للمبدعين دون تدخل مباشر منه.
جوبز الذي باع NeXT لشركة آبل وعاد إليها لم يكن بطلاً مرتاحًا ومستعدًا للقتال فورًا، بل كان رجلاً مثخنًا بالجراح، محطم الكبرياء، ولكنه تعلم من أخطائه ما يكفي ليقدم لآبل نسخة أفضل بكثير من نفسه في ولايته الثانية التاريخية.
المصدر:



اترك رد