حين نتحدث عن بدايات شركة آبل، لا نتحدث فقط عن شركة ناشئة خرجت من مرآب متواضع، بل عن لحظة فارقة غيرت مسار التاريخ التقني إلى الأبد. واليوم، تلوح فرصة استثنائية لعشاق المقتنيات النادرة، حيث يستعد دار مزادات بونهامز (Bonhams) لطرح أحد أندر حواسيب العالم على الإطلاق: جهاز Apple-1 في حالة تشغيل كاملة، يحمل الرقم 48 في السجل الرسمي لأجهزة Apple-1، وموشحاً بتوقيع المؤسس المشارك ستيف فوزنياك، ومرفقاً برسالة تاريخية نادرة للغاية موقعة بخط يد ستيف جوبز نفسه. التقديرات تشير إلى أن هذا الجهاز التاريخي قد يُباع بسعر يصل إلى 800 ألف دولار أمريكي، وربما أكثر، في مزاد تاريخ العلوم والتقنية والحوسبة المرتقب خلال شهر أكتوبر القادم.

قصة جهاز هاتفيلد: رسالة جوبز وترقية رُفضت بسبب 400 دولار
يحمل هذا الحاسوب اسم “هاتفيلد” (Hatfield Apple-1) نسبة إلى مالكه الأصلي فريد هاتفيلد، وهو مهووس تقني وموظف سابق في شركة Computer Data Systems. تبدأ القصة حين اشترى هاتفيلد الجهاز عام 1976، لكنه اشتكى لاحقاً من قلة البرمجيات المتوفرة لحاسوب Apple-1، وهو أمر طبيعي لجهاز في بداية الثورة التقنية. وهنا يبرز السحر الحقيقي لهذه القطعة؛ إذ تلقى هاتفيلد رسالة رسمية مطبوعة بتاريخ 18 يناير 1978، موقعة شخصياً من ستيف جوبز بصفته آنذاك “نائب رئيس العمليات” لشركة Apple Computer Inc، يعرض فيها استبدال جهازه بالجيل الأحدث Apple II المزود بذاكرة 4 كيلوبايت.

المفارقة المضحكة في القصة أن هاتفيلد رفض عرض جوبز! والسبب؟ العرض كان يتطلب منه دفع 400 دولار إضافية للحصول على الترقية، وهو ما اعتبره مبلغاً كبيراً حينها، فقرر الاحتفاظ بجهازه القديم في الخزانة. هذه المراسلة الورقية النادرة لا تُقدّر بثمن حالياً، فهي توثق حقبة ذهبية كان فيها ستيف جوبز وستيف فوزنياك يديران كل شيء بأنفسهما، من التلحيم والتجميع إلى الرد المباشر على شكاوى العملاء وتقديم الدعم الفني.
من جهاز معطل إلى أسطورة بقرابة مليون دولار
ظل الجهاز في حوزة هاتفيلد حتى عام 2013، حين باعه وهو في حالة تعطل كامل مقابل 40 ألف دولار. المشتري الجديد لم يتركه قطعة خردة صامتة، بل بذل جهداً هندسياً خارقاً لإصلاحه واستبدال المكونات التالفة بعناصر أصلية حتى عاد للعمل بكفاءة، ثم حصل لاحقاً على توقيع ستيف فوزنياك المباشر على اللوحة الأم، وباعه في مزاد علني مقابل 671,400 دولار. اليوم، يعود الحاسوب إلى منصات المزادات وهو لا يزال يعمل بكفاءة نادرة، ما يجعله من بين أقل من 75 جهاز Apple-1 متبقياً في العالم، وأحد الأجهزة القليلة جداً التي لا تزال تنبض بالحياة.

وفقاً لتصريحات إيان إيلينغ، مدير قسم الكتب والمخطوطات في دار بونهامز بأمريكا الشمالية، فإن هذا الجهاز يمثل الركيزة الأولى لثورة الحوسبة الشخصية. فالجمع بين كونه لا يزال يعمل، وتوقيع فوزنياك على اللوحة، واقترانه برسالة أصلية من جوبز، يجعله أكثر النسخ اكتمالاً وأهمية على الإطلاق بين ما طُرح في الأسواق عبر التاريخ. وسيكون متاحاً للجولات والمعاينة العامة والخاصة في لوس أنجلوس وبوسطن وسان فرانسيسكو، قبل أن يستقر في نيويورك لقبول المزايدات بين 4 و14 أكتوبر.
مواصفات سابقة لعصرها وكنوز أخرى في المزاد
صنع جوبز وفوزنياك نحو 200 وحدة فقط من حاسوب Apple-1 عام 1976. كان الجهاز في الأصل مجرد لوحة دوائر إلكترونية مجردة تتطلب من الهواة تجميعها بأنفسهم، قبل أن ينجح جوبز في إقناع متجر The Byte Shop بشراء 50 جهازاً مجمعاً بالكامل لبيعها للجمهور بسعر غريب بلغ 666.66 دولاراً. اعتمد الحاسوب على معالج MOS Technology 6502 الشهير بمعمارية 8-بت، وتميز بوجود دارة فيديو مدمجة سمحت بتوصيله مباشرة بتلفاز منزلي عبر كابل فيديو عادي، مما وفر على المستخدمين تكلفة شراء شاشات حاسوب باهظة آنذاك، رغم أن المشتري كان عليه تأمين لوحة المفاتيح ومزود الطاقة والهيكل الخارجي.

المزاد المرتقب لن يقتصر على Apple-1 فقط، بل سيضم مقتنيات نادرة أخرى ستسيل لعاب عشاق آبل، أبرزها حاسوب Apple Lisa 1 النادر المتوقع أن يجلب ما بين 50 و80 ألف دولار، وعلم قراصنة Jolly Roger الشهير الذي صممته سوزان كير ورفعته فرق تطوير ماكنتوش الأصلية، ونموذج أولي نادر لجهاز Apple Paladin بسعر تقديري يصل إلى 60 ألف دولار، بالإضافة إلى نموذج أولي بلاستيكي شفاف لجهاز Macintosh Portable الرائد.
المصدر:



اترك رد