يبدو المشهد من الخارج وكأن آبل وتسلا تخوضان المعركة نفسها، لكن الأرقام تخفي قصة مختلفة تمامًا. فخلف الوعود الكبيرة بالذكاء الاصطناعي، تتحرك كل شركة وفق حسابات مختلفة، إحداهما تفتح بابًا جديدًا للإيرادات من داخل إمبراطورية قائمة. بينما تُنفق الأخرى مليارات الدولارات لبناء المستقبل الذي تراهن عليه. وبينما تتسابق الشركتان على حجز موقعهما في سباق الذكاء الاصطناعي، يبقى السؤال الأهم، من منهما يعرف فعلًا كيف يحوّل هذا السباق إلى أموال؟ هذا ما سنجيب عنه في هذا المقال حيث نستعرض من يعاني أكثر في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بيضة ذهبية؟

آبل وسباق الذكاء الاصطناعي

لا تسير آبل وتسلا في الطريق نفسه عندما يتعلق الأمر بتحويل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر للإيرادات. فبينما تحاول آبل دمج قدرات الذكاء الاصطناعي داخل منظومة أعمال تحقق لها الأموال، تتجه تسلا إلى بناء منظومة تقنية متكاملة تشمل السيارات والروبوتات والرقائق ومراكز الحوسبة، وهو ما يفرض عليها تكاليف ضخمة ويضغط على أرباحها.
ومع ذلك، تملك آبل ميزة مهمة تساعدها على تمويل طموحاتها في سباق الذكاء الاصطناعي، وهي قوة أعمالها الحالية وتدفقاتها النقدية الكبيرة. فقد سجلت الشركة إيرادات بلغت 109.42 مليار دولار، بزيادة 16.4%، بينما وصل نصيب السهم من الأرباح إلى 2.02 دولار، متجاوزًا توقعات المحللين البالغة 1.89 دولار. ويبرز هنا دور قطاع الخدمات لدى آبل، الذي يحقق هامش ربح إجمالي يبلغ 75.6%. وبهذا النهج، تستطيع آبل تمويل جانب من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على أعمالها وخدماتها القائمة، بدلًا من تحمل تكاليف بناء منظومة جديدة بالكامل.
كما تُلاحظ، تكمن استراتيجية آبل في أنها لا تحاول بناء الذكاء الاصطناعي بنفسها، بل تترك تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي لشركات أخرى، بينما تركز على امتلاك الأجهزة والمنظومة التي يستخدمها العملاء لتشغيل هذه التقنيات. وهذا ما أوضحه تيم كوك عندما قال بأن آبل طورت أفضل أجهزة في العالم لتجربة الذكاء الاصطناعي، سواء من خلال Apple Intelligence وSiri AI أو عبر خدمات الذكاء الاصطناعي التابعة لشركات أخرى. وبهذه الطريقة، تتحمل الشركات الأخرى تكلفة تطوير النماذج ومخاطر بناء تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما تستفيد آبل من بيع الأجهزة والخدمات وتحقيق مليارات الدولارات.
بالطبع لا تخلو استراتيجية آبل من المخاطر. فارتفاع تكاليف الذاكرة قد يزيد من تكلفة تطوير أجهزتها وتشغيل مزايا الذكاء الاصطناعي. في حين قد تؤدي التأخيرات المرتبطة بإطلاق بعض الخدمات في الاتحاد الأوروبي إلى تأجيل وصول الشركة إلى شريحة من المستخدمين. كما ستواجه آبل تحديًا آخر مع خدمات آي-كلاود بلس يتمثل في وضع أسعار مناسبة للمزايا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بحيث تغطي تكاليف تشغيلها المتزايدة دون التأثير سلبًا في هوامش أرباح قطاع الخدمات.
تسلا اختارت الطريق الأصعب

بالنسبة إلى تسلا، فتجني أرباحها من الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر. فالشركة تعمل على تطوير تقنية القيادة الذاتية FSD، وسيارات الأجرة ذاتية القيادة Robotaxi، والروبوت الشبيه بالبشر Optimus، إلى جانب الرقائق ومصانع الإنتاج والبنية الحوسبية اللازمة لتشغيل هذه المشاريع. وقد وصل عدد الاشتراكات النشطة في نظام FSD إلى 1.48 مليون اشتراك، بزيادة قدرها 56%. لكن هذا النمو لم ينعكس بالقدر نفسه على النتائج المالية، إذ بلغ نصيب السهم من الأرباح نحو 0.33 دولار، مقابل توقعات عند 0.54 دولار. كما انخفض هامش التشغيل إلى 1.4%، بينما تحول التدفق النقدي الحر إلى سالب 1.09 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تتجاوز النفقات الرأسمالية للشركة 25 مليار دولار (النفقات الرأسمالية عبارة عن مصروفات يتم استخدامها لشراء أو تحسين أصول الشركة).
يمكنك أن تلاحظ على الفور أن تسلا مختلفة تماما عن آبل. فإيرادات تقنيات الذكاء الاصطناعي في تسلا تعود مباشرة إلى تمويل قدرات الحوسبة والمصانع وتطوير المنظومة. وهذا يعني أن الشركة لا تكتفي بتحقيق الإيرادات من التقنية، بل تعيد ضخ جزء كبير منها في بناء البنية التحتية اللازمة لتوسيعها. ويبدو أن طموح تسلا يتجاوز مجرد تطوير برمجيات للسيارات، حيث يرغب إيلون ماسك في امتلاك الرقائق والمصانع والروبوتات والأسطول نفسه. لكنه أقر أيضًا بوجود تحديات في سلسلة التوريد، مشيرًا إلى أن بعض أجزاء الروبوت أوبتيموس لا يمكن توفيرها حتى الآن. ومع ذلك، أوضح أغنى رجل في العالم أن تسلا لا تركز بشكل كبير على تقليل تكلفة استثماراتها، لأنها مستعدة لإنفاق مبالغ كبيرة على تطوير الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبنية التحتية اللازمة لمشاريعها المستقبلية.
من سيحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أرباح؟

في الوقت الحالي، تبدو آبل في موقع أكثر قوة من ناحية تحقيق العائد من الذكاء الاصطناعي، لأنها تستطيع الاعتماد على تدفقات نقدية موجودة بالفعل، ثم إضافة خدمات وميزات جديدة إلى منظومة تضم مئات الملايين من المستخدمين.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع استمرار آبل في إعادة الأموال إلى مساهميها. فقد أنفقت الشركة 25.8 مليار دولار على إعادة شراء أسهمها خلال الربع الأخير، بالتزامن مع زيادة إنفاقها على الذكاء الاصطناعي. أما تسلا فلا تدفع توزيعات أرباح ولا تنفذ عمليات إعادة شراء للأسهم، بل تتجه إلى ترتيب تسهيلات ائتمانية قد تتيح لها اقتراض ما يصل إلى 30 مليار دولار.
وبالنسبة إلى تسلا، سيكون أداء روبوتاكسي أحد أهم الاختبارات المقبلة. وتقول الشركة إن عدد الأميال التي تقطعها سيارات الأجرة ذاتية القيادة ينمو بأكثر من 10% أسبوعيًا، لكن السؤال الأهم هو معرفة ما إذا كانت هذه الزيادة في الرحلات ستتحول إلى إيرادات حقيقية، وما إذا كانت تسلا ستتمكن في النهاية من تحقيق أرباح من كل ميل تقطعه سياراتها ذاتية القيادة.
ومن زاوية العائد للمساهمين، تبدو الفجوة أوضح في أداء السهم. إذ ارتفع سهم آبل بنسبة 23.08% منذ بداية العام، بينما تراجع سهم تسلا بنسبة 17.6%. ومع ذلك، لا يزال سهم تسلا مرتفعًا جدًا مقارنة بأرباح الشركة الحالية، إذ يعادل سعره نحو 346 ضعف الأرباح السابقة، مقابل نحو 38 ضعفًا لسهم آبل، ما يعكس التوقعات الكبيرة التي يضعها المستثمرون على مستقبل تسلا.
في النهاية، لا يعتمد نجاح الذكاء الاصطناعي على مدى قوة التقنية وحدها، بل على قدرة الشركة على تحويلها إلى نموذج أعمال مربح. وهنا تتبع آبل نهجًا يعتمد على استغلال أجهزتها وخدماتها الحالية بأقل قدر ممكن من الإنفاق المباشر. بينما تراهن تسلا على بناء منظومة الذكاء الاصطناعي من أساسها، حتى لو تطلب ذلك مليارات الدولارات. وحتى تتمكن تسلا من إثبات أن منتجاتها قادرة على تحقيق ربح فعلي، يظل نموذج آبل الأقل اعتمادًا على الإنفاق الرأسمالي هو الأكثر وضوحًا من حيث تحقيق العائد من الـ AI.
برأيك، من لديه الأفضلية لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى أرباح؟ أخبرنا في التعليقات!
المصدر:



اترك رد